* تم نشر مقالتي في جريدة "الغد" الأردنية يوم السبت 27-3-2010
يقولون أن داخل كل انسان بالغ يقبع... لا بل قل يلعب طفل صغير.
لا أدري مدى صحة هذه المقولة، لكنّ ما يهمني الآن هو الموقف الخطير الذي
أراه أمامي.
أراقب الأمور بحذر شديد، و أتوقع تفجر الموقف في أي دقيقة، أي لحظة.
أهي النهاية؟ هل أنا الشاهد الوحيد على جريمة قتل توشك على الوقوع؟ ماذا
عساي أن أفعل لأمنع الجريمة؟ و إن وقعت، هل أخبر أي شخص عنها؟ أم أن من مات قد مات
و سلامتي هي الأولى؟
أسئلة كثيرة تتزاحم في رأسي، يهرول كل منها ليقف أمام الآخر، لعله يحظى
بشرف الإجابة الأولى. أما أنا، فأضرب تلك الأسئلة ضربة واحدة تخرجها من رأسي إلى
الأبد.
هل قلت إلى الأبد؟ تعود الأسئلة جماعةً كما أخرجتها جماعةً، و كيف لا تعود
و أنا أرى الشرر يتطاير من عيون الرجلين المتواجهين أمامي، مواجهة توشي أن كلاهما
يعلم أن أحدهما سيخرج ماشياً، أما الآخر فسيخرج محمولاً.
أحبس أنفاسي و أنا أنظر الى الرجل الأول يتقدم حاملاً سيفاً عظيماً متعطشاً
لطعم الدم الدافيء، و لسان حال السيف يقول: "أنا المهند الصارم... أنا
الصمصام الباتر... أنا الحسام الماضي... كل أسماء السيف لي أنا فقط و ليست لأحد
غيري."
أغمض عينيّ لوهلة متخيلاً ما قد يفعله ذاك السيف العظيم إن لاقى رقبة خصم
حامله.
أحرك رأسي الى اليسار ثم أفتح عينيّ ببطء لأرى مشهداً لا يقل رهبة: رأس
عملاق، يدان عملاقتان، قدمان عملاقتان، أسنان عملاقة، جسم عملاق يحمل كل هذه
الأشياء العملاقة. يتقدم هذا العملاق حاملاً فوق رأسه بكل ما أوتي من قوة صخرة
عملاقة لا أشك أنها قطعت من جبل عملاق، و لسان حال الصخرة يصيح متوعداً: "أنا
الأرض أنا الجبال... وقوعي عليك أيها المسكين يجلب الدمار..."
أحبس أنفاسي المسكينة مرة أخرى، أتبعها باغماض عينيّ الخائفتين مرة أخرى
كذلك. أتخيل ما قد تفعله تلك الصخرة العملاقة إن وقعت على رأس خصم حاملها العملاق.
ما زالت الأسئلة تركض في رأسي بين متقدم للصف ينتظر أولى الاجابات، و متأخر
يخشى سماع إجابته.
لماذا يكرهان بعضهما إلى درجة أن يريد كلاهما قتل الآخر؟ أمن سبب؟ أم هي
شهوة القتل لمجرد القتل؟
ما الذي سيحدث إن انتبه الرجلان إلى وجودي؟ أسيتفقان على مهاجمتي بعد أن
كانا متخاصمين؟
كلما ظهر سؤال جديد تقدم أحد الرجلين خطوة نحو الآخر، حتى لم يعد بينهما
سوى خطوة واحدة، و لم يبقَ في رأسي متسع سوى لسؤال واحد.
أخيراً، ظهر السؤال الأخير:
"ما الذي سيحدث الآن؟"
بدأ كلا الرجلين يخطو الخطوة الأخيرة، ثم فجأة، و دون سابق انذار،
سمعت صوتاً عالياً جمدني أنا و الرجلين و السيف و الصخرة و الأسئلة و الدماء و
الأنفاس و الشرر.
"زوجي الحبيب، طعام الغداء جاهز."
أمسكت اللعبتين و وضعتهما في صندوق ألعابي، ثم هرولت مع قفزات صغيرة و
ابتسامة عريضة إلى غرفة الطعام.