StatCounter

الثلاثاء، 11 ديسمبر 2012

البطيخ المغموس في تحليل دكتور "سوس"

(التدوينة رقم 11 في مشروع ال 31 تدوينة)

يقال أن بعض العباقرة يصلون إلى درجة يلامسون فيها الجنون، فيصبحون غريبي الأطوار، يقولون ما لا يفهمه الآخرون، و يفعلون ما لا يستسيغه الطبيعيون.

إلا أنه يوجد صنف معاكس لهم، ممن أوغل في الجنون و شرب منه يمنة و يسرة إلى درجة العبقرية، فأصبح يشد الناس إليه بغرابة أطواره و يلقى استحسانهم لعجيب أفعاله و أقواله.

حديثي عن الصنف الثاني، و تحديداً عن شخص اشتُهِر باسم دكتور سوس Dr. Seuss*، و هو كاتب و رسام و شاعر أمريكي أبدع في كتابة قصص الأطفال. رجل كتب الكثير من الكتب، عن الكثير من الموضوعات، فيها كل ما تتمناه إلا المنطق، أم أنها هي المنطق بعينه؟


د. سوس Dr. Seuss

هناك ثلاث جماليات في قصص هذا الرجل. أولاهم في أسلوبه المعتمد على السجع السهل الذي يشعرك أنك تقرأ كلمات أغنية مفرحة وعدم تقيده بأساليب تركيب الجمل التقليدي.

الثانية هي مصطلحاته، حيث أنه لا يتحرج من  اختراع الكلمات و أسماء الكائنات و البلاد دون خوف من منطق يكبحه أو عالِم يصححه. لذا فمن الطبيعي أن تجده يخترع مصطلحات تنسجم مع السجع، بدلاً من أن يضبط سجعه لينسجم مع الكلمات المتوفرة في المعاجم التقليدية.

أما الثالثة و الأخيرة، فهي قدرته العجيبة على رسم تلك المخلوقات بأشكال غريبة و عجيبة، مضحكة و ملونة، بشكل يفوق قدرتك على تخيلها حين تقرأ أسماءها لأول وهلة.

بناء على ما سبق، لا بد من القول أن كتب هذا الرجل هي كابوس للغويين المتمسكين بقواعد الكلام و سلامته، لكنها جنة للأطفال ذوي الخيال غير المحدود. تعديل بسيط: جنة للصغار و الكبار. كم مرة جلستُ مع زوجتي نقرأ أحد كتبه و نضحك. نعم، طفلان كبيران يقرآن لكاتبهما المفضل.

مثلاً، يبدأ كتابه !Happy Birthday To You (عيد ميلاد سعيد) بالفقرة التالية:

I wish we could do what they do in Katroo
They sure know how to say "Happy Birthday to You!"
In Katroo, every year, on the day you were born
They start the day right in the bright early morn
When the Birthday Honk-Honker hikes high up Mt. Zorn
And lets loose a big blast on the big Birthday Horn.
And the voice of the horn calls out loud as it plays:
"Wake Up! For today is your Day of all Days!"
 



غلاف الكتاب
ابتكر كاتبنا و بكل ببساطة مكاناً أو بلداً اسمه "كاترو Katroo"، و شخصاً وظيفته هي Birthday Honk-Honker (النافخ في بوق عيد الميلاد)، و جبلاً اسمه Mt. Zorn (جبل زورن). وضعهم بشكل مسلً و سلس معاً في فقرة و لم ينس أن يرسم تخيله للرجل و البوق و الجبل.

من الواضح طبعاً أن كتب هذا الرجل عصية على الترجمة إلى لغات أخرى، لأن جمالية أسلوبها جاءت بلغتها الأصلية.

كلامي اليوم عن هذا الرجل العجيب و ابداعاته هو انعكاس لبعض ما أرى في كتب الأطفال العربية في يومنا هذا. بعضها يتخذ أسلوباً وعظياً قاتلاً يجف منه كاتبه قبل قارئه، و كلاهما يعرف مدى سقامته. بعضها الآخر مرفق برسومات لا يمكن وصفها سوى أنها الظلم بعينه لروح الطفل و قلبه قبل عقله و فهمه. أنا لست من النوع المحب لجلد الذات، إلا أن الحق يجب أن يقال في هذه النقطة. أمامنا الكثير من التطوير المطلوب على قصص الأطفال العربية. لدينا ثروة أدبية في قصص الأطفال لا تقدر بثمن من كتب كامل الكيلاني و سلاسل "المكتبة الخضراء" و "أولادنا"، لكن لا يعقل أن نتوقف في أدب الأطفال عند أعمال رائعة صدرت قبل عقود طويلة.

أنا لا أدعو بالضرورة لاتباع أسلوب دكتور سوس في اختراع الكلمات و تغيير أسلوب بناء الجمل، فلغة الضاد لغة اشتقاقية مرنة، فيها ما فيها من كلمات و مصطلحات. لكنني كذلك لست ضد أن أقرأ لشخص يحاول أن يحاكي أسلوب دكتور سوس باللغة العربية، فقد تكون النتيجة ممتعة و مشجعة.


أغلفة بعض كتب د. سوس


* اسمه الكامل هو ثيودور سوس جيزيل Theodor Seuss Geisel

الاثنين، 10 ديسمبر 2012

"قصة حبة مانجا من تراب فلسطين" في "القدس العربي"

(التدوينة رقم 10 في مشروع ال 31 تدوينة)

الحمد لله.
تم اليوم نشر "قصة حبة مانجا من تراب فلسطين" في جريدة "القدس العربي" اللندنية.
قامت الجريدة بنشرها في صفحة رقم 17 (منبر القدس).
يمكنكم رؤية صفحة الجريدة عن طريق الضغط هنا.

أنا أعلم أن ما تنشره الجريدة هو في صفحة معنية بمشاركات القراء، بمعنى آخر فإنها ليست شهادة لي بتميز كتابتي. لكن ذلك لا يمنعني من الفرح. كلما نشرتُ أكثر كلما شعرتُ أنّ مشروع ال 31 تدوينة يؤثر علي بشكل أفضل.

السؤال هنا:
- إن كنت تحب الرسم، فلماذا لا ترسم و ترسل لوحاتك إلى معرض؟
- إن كنتِ تحبين الرياضة، فلماذا لا تتطوعين لتدريب الأولاد الصغار لعب رياضة معينة؟
- إن كنت تحب القراءة في الدين، فلماذا لا تضع لنفسك مخططاً لقراءة أهم الكتب التي تؤجل قراءتها من زمن؟

بدأت أشعر الآن بمدى الخسارة المترتبة على من يتقن أو يهوى أمراً ما لكنه يقصر في ممارسته.

و الآن و أنا أكتب هذه التدوينة، أدركت مرة أخرى أنني أحب الكتابة و أعشق القراءة و أتمنى لو كانت حياتي و عملي في المستقبل القريب متمحورين حولهما.

هل يحق لنا أن نحلم؟ أن نأمل؟ أن نعمل لتحقيق ما نرغب؟

لا شك.

الحمد لله.

الأحد، 9 ديسمبر 2012

مراجعة كتاب أطفال: موزة !Banana

(التدوينة رقم 9 في مشروع ال 31 تدوينة)

أحياناً تكون أبسط الأفكار هي أفضلها.
و لا شك أن الأطفال يستحقون أفضل الأفكار.

زوجتي عرفتني على كتاب للأطفال اسمه "موزة" "!Banana". هذا الكتاب يتكون من اثنتي عشرة صفحة و من كلمتين. إحداهما تكررت ثماني مرات و الأخرى مرتين.

قد يبدو وصف الكتاب بسيطاً بشكل مخل، لكن ذكاء كاتبه جعله كتاباً مفيداً يوصل معنيين غاية في الأهمية بأسلوب لطيف.

شخصيات الكتاب بسيطة، قردان و موزة. يعرض الكتاب لفكرتين جميلتين، فكرة المشاركة و فكرة استعمال كلمة "من فضلك Please". لن أضع صور صفحات الكتاب هنا احتراماً لحقوق الطبع. 

اللطيف في الكتاب أنه يسمح لقارئه أن يمثل ما يقرؤه أمام طفله، فيزيد متعة التمثيل المضحك إلى متعة فكرة الكتاب و رسومه.

نفتقد -حسب علمي المتواضع- في عالم كتب الأطفال العربية كتباً جميلة و مميزة بحق. أتحدث عن كتب تخرج عن المألوف من حيث الرسم أو النص أو الفكرة، كتب تقتحم عقل الأطفال الغريب بفكرة مجنونة، هذه الفكرة يجب أن تدخل إلى عقل الطفل و تقفز فيه و تصطدم بجدرانه و تتدحرج على الأرض  ثم تقوم و هي تضحك، ثم تصمت، ثم تضحك، ثم تتلفت حولها و تبدأ بالرسم على جدران هذا العقل. بعد قليل، تخرج هذه الفكرة كرات ملونة من جيبها و تبدأ باللعب بها و هي تأكل الجزر. باختصار، فكرة مجنونة و خارجة عن المألوف و مسلية. فكرة تبتعد عن الوعظ الأخلاقي المباشر.

هل تعرفون أي أمثلة على كتب عربية فيها من الجنون و الإبداع و الفائدة ما يستحق أن أتحدث عنها؟ شاركوني بها.

(هذه الصور من موقع ناشر الكتاب)



السبت، 8 ديسمبر 2012

محاولة أولى في حب مصر

(التدوينة رقم 8 في مشروع ال 31 تدوينة)

هذا كلام العاشق عن معشوقته.

أردت من زمن أن أكتب عن مصر. ضميري يؤلمني لصمتي طويلاً.

لكن، ما عساي أقول؟ هل أتحدث عما يحدث الآن في مصر؟ هل أقدم تحليلاً سياسياً و أسرد الوقائع كما تفعل القنوات الإخبارية؟

لا أريد أن أفعل هذا اليوم. أريد أن أتحدث عن حبي لمصر.

أريد أن أتحدث عن شارع الميرغني الذي يتظاهر فيه الناس الآن أمام قصر الاتحادية. اعتدت منذ صغري أن أمر بهذا الشارع بشكل شبه يومي عندما أكون في مصر. الطريق بين بيت خالتي و بيت جدتي يمر عبره. نادي هليوبوليس الذي قضيت فيه أوقاتاً طويلة يتوسطه. شارع الميرغني طويل و جميل و تحفه الأشجار القديمة الشاهدة على أكثر من مئة عام من عمر حي مصر الجديدة.

شعب مصر ليس كغيره من الشعوب. لا يمكنك أن ترى أثر مشاكل الحياة على وجهه. يمكنك فقط أن تلاحظ الابتسامة و تسمع النكتة من المصري. هل هو من أغنى الشعوب؟ لا، بل نسبة الفقر عالية. هل هو من أسعد الشعوب؟ يوحي لك المصريون بذلك.

ما سرهم؟ لماذا ترى المصري الفقير المسكين يجلس بكل رضا؟ إن قلت له "شكراً"، رد عليك بجملة "الشكر لله"، و إن أراد أن يودعك يقول "لا إله إلا الله" فترد عليه ب "محمد رسول الله".

هل حدثتكم عن نادي هليوبوليس؟ لا؟ ألم أخبركم أنكم إن ذهبتم في السابعة صباحاً إلى مضمار الركض في النادي ستجدونه مليئاً عن آخره؟ مجموعة من النساء اللواتي يمشين مشياً سريعاً في المضمار و يتحدثن عن المحلات التي اشترين منها "كحك" العيد، أو عن الوصفات التي استعملنها لصناعة "الكحك" في البيت. يذهبن بعد ذلك للجلوس في منطقة الجلوس في النادي مع أسلحتهم البنية، "البسكويت" و "البقسماط". رجلان في الأربعين من العمر يرتديان ملابس رياضية و يهرولان و هما يتحدثان عن أحدث مشاريعهما. مجموعة من الرجال الكبار في العمر الصغار في الروح، شباب في الثمانين يقفون على جانب المضمار في حلقة، يتوسطهم رجل من عمرهم يؤدي التمارين الرياضية و يقلدونه. عشرة أولاد في العاشرة يلعبون كرة القدم مع مدربهم. المئات من الناس الذين يلعبون الرياضة و يختلطون ببعضهم في ساعات الصباح الباكرة.

هل حدثتكم عن النيل؟ هل أخبرتكم أنكم إن ذهبتم في الثالثة صباحاً إلى كورنيش النيل فإنكم سترون الكثير من الناس، الأصدقاء، الأزواج و هم يمشون أمام النيل، أو يجلسون أمامه، يتكلمون قليلاً، يصمتون كثيراً، يفكرون في جمال هذا النيل و جمال هذا البلد. أناس يعرفون فلسفة أهل مصر القائمة على حب الحياة، حب الفرح، حب الضحك، حب السكون و التأمل.

في هذه اللحظة أدركت أن كلامي سيستمر طويلاً إن أردت أن أقول كل ما لدي عن مصر. لذا قررت أن أسكت، مؤقتاً. لكنني سأعود قريباً لأخبركم لماذا أحب مصر و أهل مصر و اسم مصر و كل شيء في مصر.

حفظ الله مصر...
بارك الله في مصر...
أسعد الله أهل مصر...
حبيبتي يا مصر...



الجمعة، 7 ديسمبر 2012

ما بين رشفاتي و صفحاتي

(التدوينة رقم 7 في مشروع ال 31 تدوينة)

جلست كما هي عادتي في كل صباح أرشف من كوب قهوتي رشفات يتخللها تقليب لصفحات الجريدة، أم أنني كنت أقلب صفحات جريدتي تقليباً تتخلله رشفات من كوب القهوة؟ لا يهم. المهم أنني كنت أطالع قهوتي و أرشف جريدتي، أقصد أطالع جريدتي و أرشف قهوتي.

و لمن لم يألف تلك العادة بعد، أقول إنك تفوّت على نفسك الكثير. ففي عقلك و فمك من الجفاف الصباحي ما يستحق أن تقرأ فتروي عقلك و تشرب فتروي حلقك. و إن كنت لا تحب القهوة فيمكنك شرب الشاي، اليانسون، الكركديه، الكاكاو الساخن أو أي شيء يضمن عدم اختلال مقياس الجفاف ما بين عقلك و حلقك.

و إن لم تكن قراءة الجرائد على قائمة هواياتك، فلك أن تستلّ من مكتبتك الشامخة كتاباً عفا عليه الزمن فتمسح ما علاه من غبار ثم تعيد إليه الحياة بتقليبك لصفحاته أثناء رشفك لقهوتك أو كاكاوِك الساخن كما أسلفتُ سابقاً.

و الحق أن في صفحات الجريدة من الأخبار و الصور ما يرضي جميع الأذواق، و المعتاد أن صفحتها الأولى تحوي أكثر الأخبار أهمية بينما الأخيرة ففيها من الأخبار طريفها و خفيفها. على الجهة الأخرى فإن رشفات فنجان القهوة كلها بنفس الطعم و الرائحة و يبقى في آخر الفنجان أكثر الرشفات مرارة.

و لقد كانت قراءة الصحف و رشف القهوة أو الشاي على الدوام و منذ عقود صنوين لا يفترقان في معظم حضارات العالم، و تلك عادة ألفناها و ألفها آباؤنا و آباؤهم من قبلهم. و لكل من قراءته هدف، فقد يبحث أحدنا عن السياسة و أخبارها، بينما يهتم آخر بالرياضة و مبارياتها، بينما ينحصر اهتمام آخرون بالأحداث الاجتماعية و الاقتصادية و تبعاتها. و مهما كانت الغاية، فهي عادة حميدة تضمن لك أن تبقى على اطلاع دائم على ما يهتم به عقلك و ينشغل به فكرك

قد تختلف تجربة المطالعة و الرشف باختلاف المطالع الراشف، إلا أنها تبقى تجربة مميزة و فريدة من نوعها تصوغ فكرك و حياتك. فما تطالعه قد يتحول إلى فكرك الذي يسير معك أينما سرت، و يخرج من فمك كلما تكلمت. أما ما ترشفه فهو مجرد وسيلة لتسهيل هضم ما تطالعه كي يسهل على عقلك انتقاء ما يناسبه منه.




الخميس، 6 ديسمبر 2012

مقالة "المُنقَرِضات" في جريدة "القدس العربي"

(التدوينة رقم 6 في مشروع ال 31 تدوينة)

أرسلت مقالة "المُنقَرِضات" إلى جريدة "القدس العربي" اللندنية قبل أربعة أيام. 
قامت الصحيفة بنشرها اليوم في صفحة رقم 17 (منبر القدس).
يمكنكم رؤية صفحة الجريدة عن طريق الضغط هنا.

تدوينتي لهذا اليوم قصيرة. أردت فقط أن أقول إنني كالطفل الصغير، يفرح لبعض الأشياء البسيطة التي قد لا يهتم بها غيره من الناس.

بالنسبة لي فإنني أحب أن أقرأ و أكتب، لذا فإن نشر ما أكتبه هو إرضاء للطفل الصغير في داخلي.

خاطرة سريعة: من الجميل أن يعمل كل منا على أن يتقن تلك الأشياء التي تفرح الطفل الصغير الذي بداخله، طالما كان ذلك بشكل أخلاقي و فطري سليم.

الحمد لله.

الأربعاء، 5 ديسمبر 2012

أنت بطل خارق!



(التدوينة رقم 5 في مشروع ال 31 تدوينة)

أنت بطل خارق! نعم أنت، قاريء هذا المقال، بطل خارق. على الأرجح أنني لم أقابلك من قبل لكنني أعرف شيئاً واحداً: في داخلك بطل خارق.

بداية، من هو البطل الخارق؟ 
شخص جاء من كوكب شمسه حمراء، يرتدي ملابس غريبة و يطير و ينقذ الناس؟ ربما، لكن ليس بالضرورة.
رجل يرتدي قناعاً و يقضي وقته في كهف تحت الأرض؟ أحد الاحتمالات، لكن ليس الوحيد.

في كل منا موهبة عجيبة، صفة نادرة، ملكة ساحرة تسمح له إن استعملها أن يتميز عن غيره بشكل جميل. هذه الصفة هي قوتك الخارقة، و حين تستعملها تصبح بطلاً خارقاً.

قد تكون موهبتك هي قدرتك على التعرف على كم كبير من الناس و أن تجعلهم يحبون شخصيتك السهلة المنفتحة. تعمل بهدوء كباقي الناس، لكن حين تستدعي الحاجة ذلك فإنك تخلع ثوب الهدوء و تلبس ثوب "الاجتماعي الجبار" لتقتحم و تتعرف و تتحدث و تبني العلاقات.

ربما لا تستسهلين التعرف على أناس جدد، لكن الله وضع في قلبك صفة جبارة ألا و هي حب الخير. هل تشعرين بضيق شديد حين ترين فقيراً يسأل الناس، لاجئاً يعيش في خيمة، بيتاً يحتاج إلى ترميم؟ الأهم من ذلك، هل تتحركين و تعملين على تغيير ذاك الواقع المزعج؟ هل تبدئين بجمع التبرعات؟ هل تذهبين إلى مستثمرين كبار و تحفزينهم على تمويل بناء مدرسة لائقة للاجئين؟ هل تخصصين جزءاً من وقتك الإلكتروني لدراسة التجارب الناجحة عالمياً في الارتقاء بالشعوب و تحاولين نشرها أو كتابة تقرير عنها و إرساله للجهة المختصة؟ إن كان الجواب نعم، فأنت يا سيدتي "فتاة الخير المتفجرة".

من جهة أخرى قد تكون هذه المَلَكة الجميلة هي ابتسامة ساحرة و قلب دافيء منحك الله إياهما. قد تكون لديك القدرة على إسعاد الناس بمجرد الابتسام في وجههم، قد يرتاح الناس حين يجلسون معك ليفتحوا قلوبهم و يتشربوا من دفء قلبك. أنت يا عزيزي "الرجل المريح المستريح".

ما أريد أن أقوله هو أنّ البطل الخارق هو أي شخص اكتشف ما وهبه الله إياه من صفة خاصة تميزه عن غيره فاستعملها لخدمة و إسعاد الناس. قد تكون تلك الصفة هي عقل ذكي أو جسم قوي أو روح فكاهة أو حب العائلة أو الذكاء التجاري أو أي شيء آخر. لكن إياك أن تعتقد أنك لست بطلاً خارقاً. القوة الخارقة موجودة فيك شئت أم أبيت، كل ما عليك هو أن تكتشفها و تستعملها.

الأهم من ذلك أن ابنك (أو ابنتك) فيه صفات جبارة قد تكون خفية. اكتشفها و ساعده على استعمالها بدلاً من أن تطمسها و تحاول زرع نسخة مصغرة من شخصيتك فيه. أنت لطيف لا شك، لكن لطف ابنك قد يكون ذا شكل مختلف.

عزيزي البطل الجبار، علق على هذه المدونة و أخبرنا ما هي صفتك الجبارة أنت أو أحد من تعرفهم.

محاولة دعائية صفيقة: أخي العزيز "أبو حميد" ألقى محاضرة بعنوان "أنا مين" تتناول موضوع مواهبنا (أو قوانا الخارقة) و كيف نستعملها بدلاً من أن نطمسها. أعدك أنك لن تندم حين تشاهدها (طبعاً أنا أذكى و أفضل منه لكن الدنيا أرزاق).












الثلاثاء، 4 ديسمبر 2012

قصة حبة مانجا من تراب فلسطين


(التدوينة رقم 4 في مشروع ال 31 تدوينة)

نُشرت يوم الإثنين 10 كانون الأول 2012 في جريدة القدس العربي صفحة 17 (منبر القدس)

أقص عليكم قصة حبة مانجا من تراب فلسطين* كما روتها لي في مخيلتي:

أرجوك أن تجلس و تسمع شكواي، ثم انظر ماذا عساك تفعل.

ولدتُ في تربة طينية عزيزة، تربة شريفة كما أخبرني جدي. ما زلت أذكر قوله لي بذرةً صغيرةً: "تغذي يا صغيرتي من هذه التربة، فهي تربة أكناف بيت المقدس". رحمك الله يا جدي كم كنت حريصاً على جعلي أعتز بأرض ميلادي. أخبرني جدي أن أصحاب الأرض التي ولدتُ فيها اسمهم الفلسطينيون، أخبرني أن رجالهم فيهم كل معاني الشرف و الرجولة و أن نساءهم فيهن كل معاني الحسن و العفة. كما أخبرني أن أقواماً آخرين قد جاؤوا من أراضٍ شتى يدعون أن هذه الأرض هي أرضهم و ما هي بأرضهم، و أنهم أخرجوا رجال و نساء فلسطين منها.

مرت الأيام و رأيتُني أكبر و أخرج فوق الأرض لأرى ضوء شمس الدنيا تنير أرض فلسطين، و سرعان ما تخاطفتني الأيدي بين يد قاطفة و أخرى مخزِّنة و ثالثة شاحنة، لكن قسمات الوجوه التي رأيت لا تشبه قسمات وجوه أهل فلسطين التي أخبرني سمعت عنها جدي. وجدتني ملقاة مع أخواتي في صندوق عليه كلام ليس من لغة أهل فلسطين، و وجدت ملصقاً يوضع عليً يقول: "إنتاج إسرائيل"، و هذا كذب و افتراء. أتُلصقُ كذبة على وجهي و أنا عاجزة عن الرد عليها؟

مرت أيام أخرى و تم شحني إلى أرض مجاورة يسمونها الأردن. حينها زالت كل همومي، فأنا أعرف أن أهل هذا البلد لن يشتروني طالما قرؤوا أنني "إنتاج إسرائيل"، فهم لن يكافئوا مغتصب الأرض بدفع نقود لا يستحقها مقابل فاكهة لا يملكها نبتت في أرض لا يملكها. وضعوني في ساحة مسجد، في آخر جمعة من رمضان. هنا زال آخر همومي، فهؤلاء المصلون سيغضبون حين يرون فاكهة مغتصبة تباع لصالح مغتصبها في شهر مبارك في مكان مبارك. جلست سعيدة و أنا أعلم أنني سأكون بضاعة كاسدة، و يا لشرف تلك البضاعة الكاسدة، و يا لشرف ذاك الشعب المسبب لكسادها!

جاء شخص يتفحصني و يسأل عن سعري. أراه يقلبني بين يديه و يقرأ أنني "إنتاج إسرائيل"، لكنه لم يبالِ! جاء آخران و جعلا يفعلان كما فعل. جاء الكثير من الناس، البعض اعترض و أخذ يجادل البائع، أما البعض الآخر فاشترى. أسمع المشترين يقولون جملاً متفرقة متكررة كأنها دروس محفوظة:
"لو أن بضاعتنا بمثل جودة بضاعة إسرائيل لاشترينا منها."
"يا أخي هذه الفاكهة من الضفة. اشترِ و لا تخف."
"وهل ستحل قضية فلسطين عن طريق مقاطعة الفاكهة؟"
"ما ذنب البائع كي تقاطع بضاعته و تقطع رزقه؟ "

ألا يعلم هذا أنه حين يمسكني فقد أمسك شيئاً خارجاً من تراب فلسطين، بل منتزعاً منه دون أي حق؟ ألا يعلم ذاك أنه حين يشتريني فهو يصرح ضمناً بسكوته أن طراوة و حلاوة قطعة فاكهة هي أغلى عنده من وقفة حق يقفها من باب "أضعف الإيمان" ليرفض اغتصاب خير فلسطين؟

رحمك الله يا جدي. لو تعلم أن ابنة تراب أكناف بيت المقدس قد بيعت بعد اغتصابها لرجل يصلي أول اليوم، و يجلس آخره يلعن المحتل على شاشات التلفاز لبكيت كثيراً، و ما بين صلاة و لعن يأكل حق أهل فلسطين في أرضهم و يدفع الثمن للمغتصب.

أنا ابنة تراب أكناف بيت المقدس رغماً عنهم.

* كتبت هذا المقال بناء على طلب صديق عزيز شاهد بيع المانجا "الفلسطينية" في آخر جمعة من رمضان في أحد مساجد عمان، فاشتعل غيظاً -و هو محق في غضبه- و طلب مني أن أكتب عن الموضوع.

الاثنين، 3 ديسمبر 2012

سر التلون الشفاف

(التدوينة رقم 3 في مشروع ال 31 تدوينة)

في مبادرة رقيقة من صاحب المدونة الصفيقة، حضرتنا، و بكامل وعينا و إدراكنا للعواقب المترتبة على الفور و التي قد تترتب مستقبلاً على قرارنا التالي ذكره، أعلن أنني، أنا، زعيم المدونة الأوحد، الديكتاتور المسيطر على ثرواتها و خيراتها، و في حالة من عدم الإلهام الأدبي المزمن قررت أن أكتب عنواناً عجيباً للتدوينة الواقعة بين يديكم و تحت أعينكم و المتسللة إلى أجهزتكم لتعيث فيها الفساد، قررت كتابة عنوان عجيب دون سابق تحضير للموضوع، إنما هي أول كلمات قفزت قفزاً حراً من رأسي لتشكل جملة "سر التلون الشفاف".

ثم إنني، ديكتاتوركم العزيز، و فور إنهائي الفقرة الماضية، قررت أن عنوان التدوينة يذكرني بألغاز المغامرين الخمسة، أصدقائي الأسطوريين المسليين، تختخ و عاطف و محب و الأختين الفاضلتين -سترهما الله- نوسة و لوزة. لذا فإن تدوينتي التالية ستكون، و أعيد التذكير بعشوائية اختياري لموضوع اليوم دون سابق تحضير، ستكون قصة بوليسية قصيرة، أخلط فيها الحابل بالنابل، و أسرد فيها للقاريء لغزاً ثم ألقي على مقربة منه أول خيوط الحل كي يلتقطه خفية و يبتسم سعيداً بفطنته لأنه أول من حل اللغز، أو كذلك سيعتقد ذاك المسكين. ثم و دون سابق إنذار، أباغته بقلب اللغز رأساً على عقب فيصبح الشرير خيّراً و يمسي الطيب لئيماً و أبقى أنا متلاعباً بمشاعر القراء المساكين.

اجلس أيها القاريء العزيز، افتح عقلك، هييء نفسك، ثم غص معي في هذه القصة.




سر التلون الشفاف

كان فجراً بارداً فوق قمة جبل هوانجشان (الجبل الأصفر) شرقي الصين، على النقيض من الجو المحموم الذي كان سائداً بين خمسة أشخاص كانوا يقفون متسمرين فوق تلك القمة. لم يشك أي منهم في أن الدقائق العشرة الأخيرة و التي مرت دون أن ينبسوا بأي كلمة كانت أطول عشر دقائق في حياة أي منهم. كان كل منهم ينظر إلى الآخر نظرة يختلط فيها الخوف بالريبة، و التوجس بالغضب، و جميعهم محقون في مشاعرهم تلك، فما حدث قبل دقائق كان كفيلاً بجعل المرء يشك في نفسه، فما بالك في أن يشك في غيره.

(الليلة الماضية)

مازالت قافلة المتسلقين تمشي، واحداً تلو الآخر، يقودهم مرشدهم "سونج"، و هو فتى صيني يجيد العربية و لا يتجاوز على أحسن الأحوال الخامسة عشرة من عمره، و هو مع ذلك صاحب بنية قوية رغم قصر قامته. كان يمشي خلفه "راشد"، رجل أعمال تعرض لعدة مشاكل في السنوات الأخيرة أفقدته عمله ثم عائلته، فقرر أن يهجر حياته و يطوف العالم بما تبقى لديه من أموال ليجرب كل غريب و يرى كل طريف. كان صامتاً طيلة وقته رغم محاولات "صابر" الذي كان يمشي خلفه فتح أبواب للحوار. كان مع "صابر" فتى صغير اسمه "علي" ملاصق لأبيه، لا يفارقه كظله. في آخر القافلة كان الصديقان المشاكسان "إحسان" و "فريد" يتسكعان و يلهوان بكل ما تطوله أيديهم أو أرجلهم.

توقف "سونج" فجأة و توقفت خلفه قافلة المتسلقين.أطرق برأسه هنيهة ثم التفت إلى من خلفه و قال بصوت هاديء: "أسمع صوت ذئاب، و مع غياب الشمس أصبح استمرارنا في المسير خطراً علينا. سنبيت هنا الليلة." أذعن المتسلقون لأوامر قائدهم الصغير و وضعوا حاجياتهم أرضاً و قاموا بنصب خيمتهم الكبيرة. 

"أبي، هل يجب أن نخاف من الذئاب؟" أسئلة "علي" لأبيه فيها قلق دائم من كل شيء يفعلونه في هذا البلد البعيد عن بيتهم.
"الفتى الشجاع لا يخاف أبداً إلا ممن يستحق أن يخاف منه." اعتاد "صابر" أن يجيب أسئلة ابنه بأسلوب مبهم كي لا يسترسل الفتى في أسئلته التي يعجز صابر عن إعطاء جواب شافٍ لها.

"كفاكما عبثاً و لهواً و حاولا النوم. أنتما بحاجة إلى كل طاقتكما حين نستكمل مسيرنا." كانت هذه آخر كلمات قالها "راشد" ل"إحسان" و "فريد" قبل أن يضع رأسه على الوسادة الصغيرة التي أحضرها معه. سكت الشابان للحظات و تبادلا الابتسامات، ثم عاودا بناء برج الأحجار الذي وصل ارتفاعه إلى اثني عشر حجراً صغيراً متراصين فوق بعضهم البعض.

لم يدرك أي من المتسلقين الخمسة أن مرشدهم "سونج" قد اختفى منذ بدؤوا نصب الخيمة. لم يدركوا كذلك فداحة ما سيحدث بعد ساعات.

مرت ساعات الليل بطيئة و أقبل الفجر البارد. استيقظ الفريق بأكمله. كان الوحيد الذي لم ينم ليلاً و هو يقاوم خوفه هو "علي". كان متأكداً أنه سمع صوت شخص يتأوه ببطء من الألم قبل الفجر بساعتين، لكن خوفه منعه من القيام ليرى مصدر الصوت.

خرج الخمسة من الخيمة تباعاً ليروا أمامهم أكثر مشهد مرعب رآه أي منهم في حياته. تجمدوا في أماكنهم، كان هذا المشهد كفيلاً بأن ينسوا البرد و الذئاب. لم يستطع أي منهم أن يتحرك من مكانه، أو حتى أن يصيح. لم يرد أي منهم أن يفعل أي شيء يمكن أن يجلب له مصيراً مشابهاً.

كان "سونج" ماثلاً على بعد ثلاثة أمتار منهم، معلقاً بصخرة كبيرة بقطعتي معدن كبيرتين تخترقان كتفيه. نظرة الرعب المتجمدة على وجهه كانت كفيله بإشعارهم أن الرعب من آخر ما رآه الفتى المسكين كان هو ما قتله، لا تلك القطعتين المعدنيتين. كان قميصه ممزقاً و على بطنه علامات غريبة مرسومة بالدم. يبدو أن من قتل سونج قد وضع على عجالة لفافة من ورق متدلية من جيب بنطاله.

بعد دقائق قليلة طويلة جداً، قاوم "راشد" رعبه و خطا خطوات مترددة نحو جسد "سونج". خطف الورقة من جيبه و عاد سريعاً إلى الوراء و وجهه مازال باتجاه الجسد المعلق. فتح الورقة ببطء شديد.

نظر "راشد" إلى الآخرين و قال: "يوجد كلام مكتوب في الورقة."  التف حوله باقي المتسلقين ليسمعوا منه لعلهم يعرفون من فعل هذا.

قرأ "راشد" بصوت خافت مرتجف من الخوف:
"أعزائي المتسلقين،
لقد أدخلت نفسي في تحدٍّ متعب مع القراء حيث وعدتهم بلغز في غاية التشويق.
هذه المهمة صعبة و تحتاج إلى المزيد من التفكير. أنا متعب. لذا قررت أن أقتل "سونج" و أنهي هذه القصة.
عودوا إلى بيوتكم.
ملاحظة: راشد، كفاك تجهماً.
صديقكم الشجاع،
ساري"



الأحد، 2 ديسمبر 2012

المُنقَرِضات

طائر الدودو

(التدوينة رقم 2 في مشروع ال 31 تدوينة)

نُشرت يوم الخميس 6 كانون الأول 2012 في جريدة القدس العربي صفحة 17 (منبر القدس)

المُنقَرِضات في حديثي اليوم ليست مخلوقات ضخمة كانت تمشي على أربع على هذه الأرض قبل عدة ملايين من السنين، أو طيوراً غريبة ذات مناقير ضخمة لا حظ لها من الطيران، عاشت و ماتت قبل أن أولد و يولد أبي و جدي و جد جدي.

حديثي ليس عن مخلوقات، إنما عن أشياء و أصوات و روائح و مشاعر عرفناها و عايشناها و كانت جزءاً من حياتنا. نستيقظ على صوتها و نعيش يومنا على رائحتها و ننام ليلاً نفكر بها، فإذا بها يوماً تختفي، أو تبدأ بالاختفاء، بشكل يوحي أنها ستلاقي نفس مصير سابقاتها من المنقرضات.

راودتني هذه الخاطرة بعد أن استمعت إلى أحد البرامج الإذاعية عن الأصوات التي انقرضت من حياتنا. كان الحديث عن أشياء بديهية، كصوت الآلة الطابعة الذي استبدل الآن بصوت نقرات لوحة المفاتيح، أو صوت إغلاق سماعة الهاتف بقوة ناطقة بالغضب و الذي استبدل بنقرة على زر إغلاق، أو لمسة على شاشة جهاز محمول يستوي فيها الفتى الهاديء المُسالم و الرجل الغاضب المعاتب.

شغلتني هذه الفكرة، و أخذت أتساءل عن أشياء أخرى قد لا يعايشها أولادي كما عايشها أبوهم. هل ستبقى الإشارات الضوئية تملأ شوارعنا؟ أم أنني سآخذهم إلى المتحف الوطني لأريهم عموداً في أعلاه ثلاثة أضواء كنا نستعملها لتنظيم المرور منذ عدة سنين؟ هل سيتندرون من غرابة الفكرة؟ هل سيأخذون صوراً تذكارية بجوار ذاك العمود ليروها لأصدقائهم؟

هل سألت نفسك يوماً عن الأشياء التي عايشتها بشكل يومي لكن أبناءك قد لا يعاصرونها كما فعلت؟ هل ستنقرض المفاتيح لتحل محلها لوحات أرقام تستعمل لفتح الأبواب و السيارات؟ هل ستختفي النقود من جيوبنا لتحل محلها حسابات الكترونية يتم السحب منها عند الشراء؟ هل سينسى الناس كيفية قيادة السيارة حين تنتشر السيارات التي تقود نفسها؟ و إن حدث ذلك، هل سيصبح في مقدور الفتى الصغير أن يأخذ سيارة أبيه إلى أي مكان يريده دون الحاجة إلى رخصة قيادة؟ ما مصير ما نمسك في أيدينا من كتب و مجلات و صحف؟ هل مصيرها هو كلمات إلكترونية تصلنا عبر الإنترنت لنقرأها ثم نحفظها في مساحة الكترونية  خفية؟ هل يعني هذا اختفاء المكتبات العامة من شوارعنا و المكتبات الخاصة من بيوتنا؟ ما الداعي لوجود قلم الرصاص و المبراة في حياتنا إن كنا نستطيع نقر كلماتنا على شاشة زجاجية؟ هل من داعٍ لتعلم الخط العربي و كيفية كتابة الحروف؟ أم أن ذاك سيصبح جزءاً من تراث أمتنا نسمع عنه في برنامج "حدث في مثل هذا اليوم"؟

الكثير مما ذكرت في الفقرة السابقة بدأ يتحقق منذ مدة، إلا أن انتشاره لم يطغَ بعد بشكل يؤدي إلى انقراض سلفِه. أنا أقرُّ بفائدة التكنولوجيا في حياتنا و ما توفره من سرعة و كفاءة بالإضافة إلى حفاظها على البيئة و تقليلها لعدد الأشجار المقطوعة لصناعة الورق، لكنني أخاف كل الخوف على حياتنا حين تختفي كل الأوراق و الأخشاب و المعادن التي اعتدنا استعمالها لأغراضنا المختلفة لتحل محلها أجهزة الكترونية قد تبعدنا عن القريب بقدر ما تقربنا من البعيد.

قد لا أستطيع، و لا أريد، اختصار الموضوع ببساطة في حلول الاختراعات الحديثة مكان القديمة. الموضوع يتعدى ذلك ليصل إلى مواقف كنا نعيشها فأصبحت جزءاً من الماضي، أو مشاعر كنا نشعر بها فلم يبقَ منها سوى ذكرى قديمة بين آلاف الذكريات في رؤوسنا، أو حتى أصواتٍ كانت جزءاً من نسيج يومنا فكادت أن تصبح ذكرى من الماضي.

و لعل الأحداث السياسية التي نعايشها الآن تبشرنا بمستقبل قريب ينقرض فيه بشكل كامل تقديس الحاكم الأوحد الملهم الذي لا يقول إلا حقاً و لا يفعل إلا خيراً. قد ينقرض ذاك الحاكم و يتحول إلى إنسان طبيعي يصيب فيُشكر و يخطيء فيُقَوَّم، لا توضع صورته على الصفحة الأولى من الصحيفة إلا حين تستدعي الحاجة ذلك.

من يسكن مصر يعرف النداء الشهير "بيكياااااا بيكياااااا" لبائع الروبابيكيا (الخردوات) المتنقل، و يقابله في الأردن عربة الخردوات و الأجهزة القديمة التي تذيع النداء المسجل الشهير "تلاجاااات غسالااااات". سكان الاسكندرية يعرفون صوت بائع الفريسكا من بعيد "فريسكااااا" فيهرع إليه الأطفال طمعاً في قطعة من تلك الحلوى اللذيذة. هل ستبقى هذه النداءات التي اعتدنا سماعها منذ نعومة أظفارنا؟ أم أنها ستتحول إلى سلع تستدعى بنقرة واحدة حين الحاجة إليها.

هذه المقالة ليست دعوة للبكاء على الماضي و التحجر ضد أي اختراعات تسهل الحياة، إنما هي دعوة لتقدير ما بين أيدينا الآن و عدم التفريط فيه، و التعقل في كمية التكنولوجيا المستعملة في حياتنا و عدم الإفراط فيها.

السبت، 1 ديسمبر 2012

مشروع ال 31 تدوينة

(التدوينة رقم 1 في مشروع ال 31 تدوينة)

أدشن اليوم مشروعاً خاصاً قد يعالج ما بي من تقصير و تخاذل.

أبدأ بهذه التدوينة و حتى نهاية شهر 12 كتابة تدوينة يومية على مدونتي. 31 تدوينة عن مواضيع مختلفة. قد يتراوح طول التدوينة الواحدة بين سطر واحد و مائة سطر. لا يوجد أي محدد على موضوع أو طول التدوينة.

الهدف؟ أن أكسر ما بنفسي من تخاذل يمنعها من ممارسة ما تحبه. لعلي أصبح بعد مرور هذا الشهر أكثر نشاطاً و أكثر إقبالاً على الكتابة، الهواية التي يعشقها قلبي و تهجرها أصابعي.

ابعثوا لي باقتراحاتكم فيما يخص مواضيع التدوينات القادمة على saryassad@gmail.com أو اكتبوه في تعليق على أي تدوينة.

توكلنا على الله...

الثلاثاء، 6 نوفمبر 2012

جود القريحة بالنقرات الفصيحة


قمت لأسباب خاصة بإزالة أحدث تدويناتي "جود القريحة بالنقرات الفصيحة".
سأكتب تدوينة بديلة في الأيام القادمة إن شاء الله.
شكراً لكل من قرأها و أبدى رأيه بأي وسيلة.
ساري

الخميس، 19 يوليو 2012

نصيحة أو اثنتان لقهر الغيلان في شهر رمضان

نشرتها لي اليوم 21-7-2012 جريدة "القدس العربي" اللندنية - صفحة 17 (اضغط هنا أو هنا)


رمضان شهر الخير و الصيام، الإحسان و الإطعام. لكنه أيضاً عند البعض شهر الغضب و العنفوان، و تحول النشيط المنتج إلى جائع كسلان. فما الحل؟ و ما هي الوصفة السحرية (و السحر في هذا السياق ليس حراماً على قول أغلب أهل هذا العصر) لمسح ما تراكم على وجه هذا الشهر من مساحيق المشاعر العجيبة (و المساحيق في هذا السياق بغيضة على قول نفس الأهل)؟


أولاً، المخلوق العجيب المسمى الغضب. جسمنا اللطيف هو آلة كغيره من الآلات، إن صنتها و رعيتها خدمتك، و إن أهملتها و انصرفت عنها باغتتك. فما بين صرير تروس مهترئة و اهتزازات في جسم تلك الآلة، تجد نفسك أمام خيارين: إما الصيانة و إما الندامة. اعلم عزيزي الصائم أن غذاء جسدك الحقيقي ليس نفث سيجارة سخيفة أو بلع لقمة لذيذة، إنما هو بضع كلمات من ذكر الرحمن، تقوي بها جسدك و عقلك. فإن أغضبك لئيم أو صدم سيارتك غشيم، فعليك بتجميع كل مشاعر الغضب و الحقد و البغض و ما إلى ذلك من أوصاف لطيفة في نقطة واحدة في عقلك، ثم باغتها قبل أن تباغتك، و اهجم عليها هجمة صائم مغوار، فاستعذ بالله من الشيطان و اذكر المأثور من ذكر الرحمن. و لا بأس، بل من المستحب أن تدعو لأخيك الذي أغضبك في ظهر الغيب، فينقلب لؤمه و غضبك إلى خير لكليكما. و تلك الصيانة لصيامك هي خير صيانة، صيانة وكالة.


ثانياً، الوحش الكاسر المعروف بالجوع. اعلم أيها الصائم الرائع أن وجبة السحور هي خيران لا خير واحد، ففيها تقوية لجسدك على الصيام، و الأجمل أنها اتباع لسنة رسولك الكريم عليه الصلاة و السلام. فلا تبخل على نفسك بتحري أي الأصناف تروي العطش و تقوي البدن، ثم صل الفجر و ابدأ يومك بنشاط، و لا تأبه بما يصادفك في طريقك من إعلانات الطعام اللذيذ، فطعمها وقت الغروب ألذ، و هو عين المطلوب. ثم عليك بالاجتهاد في مدرستك و جامعتك و عملك، فالاجتهاد على عكس الشائع هو ما يقوي الجسد و ينسيه الجوع، و ما أجمل أن تزكي صيامك بالإحسان في عملك عوضاً عن تشويهه بتوجع و تململ لا يزيدانك إلا جوعاً و مللاً.


أخيراً، الثنائية المرعبة، شهر الولائم و المسلسلات. أما الوليمة فأمرها هين، فاغتنم معظمها في صلة الرحم و السلام على الأحباب، و خصص قليلها لتناول الطعام، و تذكر أن ثلث بطنك لطعامك، و ثلثه لشرابك، و ثلثه لنفسك، فتروَّ في أول ثلثين، و أحسن في الثالث. و أما المسلسل فأمره أهون. فدع عنك ما مثّله العباد، و امتثل في عبادتك لخالق العباد، ففي الإفطار ثواب و متعة، و في السؤال عن الأهل و الأصحاب ثواب و متعة، و أمتع من هذا و ذاك قراءة للقرآن، و صلاة في آخر الليل، و مناجاة عميقة لله، لا يعلم بها إلا أنت و ربك.


قد اكتمل المراد بعرض الوحوش الهزيلة التي تتحيّن قدوم أعظم الشهور، فلا تكن أضعف من وحش هزيل، و اعمل على إتمام هذا الشهر على أكمل وجه يرضاه ربك ثم ترضاه. و اعلم أن كاتب هذه الكلمات ما كتبها إلا ليعظ نفسه أمام الناس لعل هذه النفس تتعظ.

الثلاثاء، 10 يوليو 2012

عودة الابن الضال

أكتب اليوم عن عودة الابن الضال.


و الحق أنهما ابنان لا ابن واحد. و الضلال هنا هو ضلال الطريق لا ضلال العقل. و هو و إن كان يحيد بصاحبه عن عُرفٍ لازمه لمدة طويلة، إلا إنه أقل خطراً من ضلال العقل، فالأول يعرف صاحبه أنه قد ضل فيرغب و إن طال الأمد بالعودة إلى جادة صوابه، أما الآخر فيتلبّس على صاحبه و يوهمه أنه على الحق فيمضي في ضلاله.


***

أما الابن الأول، فهو كاتب هذه الكلمات. كان طريقه يمر بمصر في كل عام مرة أو مرتين، عدة شهور يقضيها مخالطاً لأهلها و سابحاً في بحارها بل حتى معتاداً على حرارة صيفها.


و لعل القاريء العزيز لهذه الكلمات يحار في سر إكثار كاتبها من الحديث عن نفسه، و هو تساؤل في محله. الجواب هو أن كاتب هذه الكلمات لا يكثر الحديث عن نفسه غروراً أو حباً في الظهور، إلا أنه يهوى الكتابة عن ما يحب، و يهوى الكتابة في حد ذاتها، فإن لم يمارس الشخص ما يحب أو لم يكثر من التفكير (و الكتابة نوع من التفكير) في ما يحب على أضعف الإيمان، انتفت عنه صفة المُحب بطبيعة الحال.

عودة إلى مصر، فقد بدأ عهد نزولي السنوي بها منذ أول أعوام حياتي حتى عام 2009 ثم حدث الانقطاع. عامان و ثمانية أشهر من الجفاء بين ابن محب و بلد محبوب.


لا أدري ما الأسباب التي قد تجود بها قريحتي لتفسير جفائي، أهو الانشغال بأمور الحياة؟ ظروف العمل؟ لا بل هو جفاء غير مبرر.

قُدِّر لكاتب هذه الكلمات قبل شهر أن يعيد وصل ما انقطع، فزار مصر هو و زوجته  زيارة ابن ضال عرف طريقه بعد طول غياب.


زرتها و تجولت فيها و سبحت في بحرها و جلست عند نيلها و رأيت الأهل فيها. 

حين تحب شيئاً أو شخصاً أو مكاناً ثم تنقطع عنه، فإن لسانك قد يسكت قليلاً عن ذكره و عينك قد تتوقف زماناً عن رؤيته، إلا أن لا شيء يمكن أن يثني قلبك عن الهيام به و عقلك عن الانشغال به ما دمت أنت و ما دام هو.

***

و أما الابن الثاني، فقد تحدثتُ عنه في هذه المدونة قبل عدة شهور. شبهته حينها بالسَحَرة، و أثبت لي قبل يومين أنه ليس رجلاً من عامة السحرة، بل هو كبيرهم.


روجر فيدرر، لاعب تنس أشهر من البطيخ بالجبنة. كانت له صولات و جولات، و معارك و انتصارات، على ملاعب التنس الرملية و العشبية و الصلبة. حمل الكؤوس و ألقى الخطب و حصد الكثير، و للدقة سبع عشر، من البطولات الأربعة الكبرى "جراند سلامز".


لأن العمر لا يرحم، و لأن كل عظيم لا بد له أن يحني ظهره يوماً ما، فقد توقف حمل هذا الساحر لكؤوس البطولات الكبرى في عام 2010. عامان و نصف مرا و هو يحاول، يحمل كؤوساً مختلفة في بطولات مختلفة ليست ضمن الأربعة العظيمة.

التوقعات و التحليلات كانت تشير إلى أفول شمس أسطورة، و إلى استعداده لأخذ موقعه كلاعب سابق بعد أن توقفت عجلة الإنجازات و ظهر أبطال جدد أصغر سناً.

قبل يومين، كان روجر فيدرر، الشاب في عرف المجتمع بأحد و ثلاثين ربيعاً، الشيخ في عرف الرياضة بأحد و ثلاثين خريفاً، كان هذا الشخص على موعد مع وصل ما انقطع، عناق كأس أعرق بطولة، كأس ويمبلدون.

الجميل في هذا الشاب الشيخ هو أن فوزه يحوله إلى طفل، فهو، و بمجرد تسجيله نقطة الفوز بالبطولة، يرتمي أرضاً ثم يبدأ بالبكاء.


المشاعر الإنسانية و ما أدراك ما المشاعر الإنسانية. ما أجمل أن تحقق ما تصبو إليه نفسك، أن تتعب و تجرب فتفشل لتعاود الكرّة و قد تفشل مجدداً، لكنك تعلم أن يوماً من الأيام سيحمل لك دموعاً غالية، دموع فرح طال انتظارها بإنجاز طال انتظاره. و حين يأتي ذاك اليوم، سيطيب لك الاحتفال دون أن يلومك شخص، بكاءً أو فرحاً أو قفزاً أو حتى ارتماءً على أرض إنجازك.


الأربعاء، 25 يناير 2012

السؤال الحقيقي

نشرتها لي اليوم 25-1-2012 جريدة "الغد" الأردنية - صفحة 19 (إضغط هنا لعرض لصفحة الجريدة)


في يومنا هذا، بين ناظم لقصيدة و مُدَبِّج لمقال، بين مستعد لاحتفال و مرابط في اعتصام، بين راية وطن عظيم و صورة حاكم قديم، بين هذا و ذاك و غيرهما يبزغ سؤال. سؤال لا قرين له بين ما سبقه من أسئلة ما بعد الحدث الكبير: لماذا؟

لماذا قام فتى في ربيع العمر بحرق صورة رجل في خريفه؟
لماذا ركضت فتاة صوب رجال مدججين بأدوات البطش بدلاً من أن تهرب منهم؟ رجال في عيونهم كل المعاني سوى معنى الحفاظ على الأمان. ألم يكن على رأس مهامهم؟
لماذا أخذ رجل بسيط، ينام ليله مفكراً في قوت غده، لماذا أخذ زوجته و أولاده و نزل بهم إلى ميدان؟ ألم يكن من الأجدر به أن يجلس ليتابع ما يحدث على شاشة التلفاز؟ أليس معذوراً لقلة أمواله و كثرة أمراضه؟

يقولون أن الفتى مدفوع دفعاً إلى فعلته تلك. ألم  يخبرهم أحد عما فعله -أو قل كابَدَه- والد الفتى قبل عقدين من الزمان ليدخل ابنه المدرسة؟
يدعي أحدهم أن الفتاة كانت توزع ما اتُهمت بتوزيعه. ألم يعلم أنها عاشت حياتها دون كرامة، لكنها قررت أن يكون ذاك اليوم هو أول أيام كرامتها؟ أتوزع ما اتهمت بتوزيعه يوم ذاقت طعم تلك الكرامة لأول مرة؟
يجلس آخر و في كل تجعيدة من تجاعيد وجهه غير الحكيم صورة لرأي عديم الرائحة سيء الطعم. يقول بفم ملؤه التنظير أن ذاك الرجل البسيط و عائلته مجرمون، لأنهم انشغلوا بهدم وطنهم عوضاً عن بنائه. ألم يعلم عديم الحكمة أنه هو المجرم الحقيقي، و أن ذات الرجل و ذات العائلة كانوا كثيري الابتسام، رغم ضيق الحال، لا لشيء إلا لسماعهم اسم وطنهم بين الفينة و الأخرى؟

قد سمعنا التنظير و التحليل و التفنيد و الشجب و الاستنكار لعدة سنين، أو قل عقود، فما لقينا سوى صد و رد و عناد و استهزاء و عجرفة منقطعي النظير.
قد قيل الكثير من الكلام، لكن الأكثر منه هو من نزل و ركض و صرخ و طالب و أسقط أعتى العتاة.

ألم يعرف من قال و قال أن التاريخ لم يخصص لما قالوا غير عدة شهور من الزمان، بينما كتاب جديد قد فتح لأولئك الذين سطروا التاريخ بدماء و دموع و سهر و حب وطن؟ كتاب سيقرأه من هو بيننا، و من سيأتي في الغد القريب أو البعيد. كتاب سيغرق من دموع كل من قرأه و عرف حقيقة كفاح بضعة ملايين من أبناء الوطن المخلصين.

طاب شعبٌ أبكى أمته فرحاً، و طاب وطنٌ مات أبناؤه كي يعيش.



الجمعة، 20 يناير 2012

المواجهة


* تم نشر مقالتي في جريدة "الغد" الأردنية يوم السبت 27-3-2010

يقولون أن داخل كل انسان بالغ يقبع... لا بل قل يلعب طفل صغير.
لا أدري مدى صحة هذه المقولة، لكنّ ما يهمني الآن هو الموقف الخطير الذي أراه أمامي.
أراقب الأمور بحذر شديد، و أتوقع تفجر الموقف في أي دقيقة، أي لحظة.
أهي النهاية؟ هل أنا الشاهد الوحيد على جريمة قتل توشك على الوقوع؟ ماذا عساي أن أفعل لأمنع الجريمة؟ و إن وقعت، هل أخبر أي شخص عنها؟ أم أن من مات قد مات و سلامتي هي الأولى؟
أسئلة كثيرة تتزاحم في رأسي، يهرول كل منها ليقف أمام الآخر، لعله يحظى بشرف الإجابة الأولى. أما أنا، فأضرب تلك الأسئلة ضربة واحدة تخرجها من رأسي إلى الأبد.
هل قلت إلى الأبد؟ تعود الأسئلة جماعةً كما أخرجتها جماعةً، و كيف لا تعود و أنا أرى الشرر يتطاير من عيون الرجلين المتواجهين أمامي، مواجهة توشي أن كلاهما يعلم أن أحدهما سيخرج ماشياً، أما الآخر فسيخرج محمولاً.

أحبس أنفاسي و أنا أنظر الى الرجل الأول يتقدم حاملاً سيفاً عظيماً متعطشاً لطعم الدم الدافيء، و لسان حال السيف يقول: "أنا المهند الصارم... أنا الصمصام الباتر... أنا الحسام الماضي... كل أسماء السيف لي أنا فقط و ليست لأحد غيري."
أغمض عينيّ لوهلة متخيلاً ما قد يفعله ذاك السيف العظيم إن لاقى رقبة خصم حامله.

أحرك رأسي الى اليسار ثم أفتح عينيّ ببطء لأرى مشهداً لا يقل رهبة: رأس عملاق، يدان عملاقتان، قدمان عملاقتان، أسنان عملاقة، جسم عملاق يحمل كل هذه الأشياء العملاقة. يتقدم هذا العملاق حاملاً فوق رأسه بكل ما أوتي من قوة صخرة عملاقة لا أشك أنها قطعت من جبل عملاق، و لسان حال الصخرة يصيح متوعداً: "أنا الأرض أنا الجبال... وقوعي عليك أيها المسكين يجلب الدمار..."
أحبس أنفاسي المسكينة مرة أخرى، أتبعها باغماض عينيّ الخائفتين مرة أخرى كذلك. أتخيل ما قد تفعله تلك الصخرة العملاقة إن وقعت على رأس خصم حاملها العملاق.

ما زالت الأسئلة تركض في رأسي بين متقدم للصف ينتظر أولى الاجابات، و متأخر يخشى سماع إجابته.
لماذا يكرهان بعضهما إلى درجة أن يريد كلاهما قتل الآخر؟ أمن سبب؟ أم هي شهوة القتل لمجرد القتل؟
ما الذي سيحدث إن انتبه الرجلان إلى وجودي؟ أسيتفقان على مهاجمتي بعد أن كانا متخاصمين؟

كلما ظهر سؤال جديد تقدم أحد الرجلين خطوة نحو الآخر، حتى لم يعد بينهما سوى خطوة واحدة، و لم يبقَ في رأسي متسع سوى لسؤال واحد.
أخيراً، ظهر السؤال الأخير:
"ما الذي سيحدث الآن؟"

بدأ كلا الرجلين يخطو الخطوة الأخيرة،  ثم فجأة، و دون سابق انذار، سمعت صوتاً عالياً جمدني أنا و الرجلين و السيف و الصخرة و الأسئلة و الدماء و الأنفاس و الشرر.

"زوجي الحبيب، طعام الغداء جاهز."

أمسكت اللعبتين و وضعتهما في صندوق ألعابي، ثم هرولت مع قفزات صغيرة و ابتسامة عريضة إلى غرفة الطعام.

الجمعة، 13 يناير 2012

فيدرر و ابن خالتي و الحجة نانا


ما من حيلة أسهل و أسرع لجذب الانتباه من حيلة العناوين الغريبة. عنوان هذه التدوينة غريب، لكن مضمونها غني و لطيف، مسلٍّ و رقيق، مضحك و عميق، أو كذلك أرجو. 

ستعجبك هذه التدوينة إن كنت:


  • من عشاق التنس (كرة المضرب)، و على الأخص "هاري بوتر" التنس، روجر فيدرر.
  • من أقاربي لأمي (الفرع المصري)، عائلة غريبة تختلط فيها نكهة الفول و الفطير المشلتت و البساطة بالستيك و الفيليه و الذهاب إلى الساحل الشمالي. البساطة تتحدى الأرستقراطية.
  • من أصدقاء أو أعداء ابن خالتي سيف الله، الفكاهة و الجدية في قالب واحد. شخص يجبرك على حبه.
  • ترغب بقراءة موضوع خفيف يمزج بكل جرأة و لامبالاة الأمور العائلية الشخصية بالقضايا الرياضية العالمية، و يخرج بنتائج غير منطقية.

و على غرار ما كتبه السابقون من قصص و روايات، نبدأ بالتعريف بأبطال قصتنا:

روجر فيدرر
لو كان السحر ممنوعاً في عالم الرياضة لمُنع هذا المخلوق من اللعب، و لوضعت الأصفاد في يديه و قدميه و حُرق كما كان يُفعل بساحرات القرون الوسطى. يتظاهر بضرب الكرة بالمضرب، بينما هو في الواقع يمسك بعصا سحرية على شكل مضرب، يرسل بها قنابل صفراء نحو خصومه، فتراهم يركضون و يلهثون يمنة و يسرة، بينما هو يتنزه في الملعب كفتاة صغيرة تحمل سلة طعام.

ابن خالتي سيف الله
هو ابن خالتي الحبيب العجيب ذو الهوايات الغريبة في طفولته. كان يهوى تشريح الحشرات، و مشاهدة الحراس الشخصيين المدججين بالسلاح والمختبئين خلف نظارات سوداء و بدلات سوداء و أجهزة لاسلكية سوداء. ترعرع لاعباً للتنس و عازفاً للبيانو. حسه الفكاهي مميز في جميع الأوقات، و مثير للتساؤل حول وضعه العقلي في بعضها. كان بعض من مزاحه في طفولتنا أن يشنف آذاننا* بمقطوعة كلاسيكية على البيانو لأحد عمالقة التأليف الموسيقي في العصر الحديث، ثم يحولها فجأة إلى وصلة رقص "على واحدة و نص" لأحد عمالقة التهليس الحديث.

الحجّة نانا
هي جدتي و ألطف صوت يحدثني من على بعد مئات الأميال لمجرد السلام أو السؤال. تهاتفني في المناسبات لتهنئني و لا تنسى أن تستعمل لازمة "ميري كريسمس آند ايه هابي نيو يير"، سواء كانت المناسبة عيد الأضحى، عيد ميلادي أو حتى عيد الثورة. هي مصدر دفء و ابتسامة العائلة. لا تخلو جعبتها من النكات و المداعبات اللطيفة، و لا يمكن أن تجد في ذات الجعبة حقداً أو كرهاً لأحد. تهتم بالكل و تسعى دائماً لإسعاد الناس. لها اهتمامان رئيسيان قد تجدهما عند الكثير من الناس لكن ليس عند الجدات: الرياضة و السياسة.

يُحكى أنّ...
في أحد أيام عام 2003، كنت جالساً مع جدتي –الحجة نانا- في غرفة السينما في نادي هليوبوليس في القاهرة، و غرفة السينما التي أتحدث عنها هي قاعة كبيرة مجاورة لبركة السباحة، فيها طاولات و مقاعد و شاشة تلفاز كبيرة إلى حد يجعل إدارة النادي مستعدة لتسميتها "غرفة السينما" دون الشعور بأي قدر من تأنيب الضمير. المهم أننا كنا جالسين نشاهد مباراة تنس، و هي الرياضة المحببة و المعتمدة لدى الفرع المصري من عائلتي، كما أنها تحظى بشعبية و اهتمام في مصر أكبر بكثير مما تحظى به في الأردن.


المباراة كانت بين لاعبين غير معروفين، أو على الأقل كانا كذلك بالنسبة لي و لجدتي في ذاك اليوم. أحدهما يدعى "روجر فيدرر" و الآخر –على ما أذكر- "مارك فليبوسيس". كانت لحظة الصفر هي حين اقتربت الكاميرا من وجه "فيدرر" لأفاجأ بجدتي تقفز و تقول: "الله... ده سيف الله"!


كانت مفاجأتي كبيرة من ردة فعلها، و لكنها كانت أكبر حين أمعنتُ النظر في وجه هذا اللاعب لأفاجأ بشبه كبير بينه وبين ابن خالتي. شبه كبير لدرجة أن جدتي اتصلت بخالتي في البيت و أخبرتها عن المباراة و عن اللاعب و عن الشبه.


الآن و بعد مرور سنين على تلك الواقعة، ما زلت أشعر بوجود شبه بينهما، خاصة الفك العريض. لكن لا أدري إن كان الشبه كبيراً إلى حد الدهشة التي شعرنا بها في ذاك اليوم في تلك الغرفة، غرفة السينما.


سيف الله و شبيهه - كواليس بطولة قطر للتنس 2010



الآن...
محور حديثي الآن هو جدتي، فقد نما اعجابها بذاك اللاعب فأصبحت تتابعه و تتابع أخباره و بطولاته، و أصبحت العائلة كلها تشجعه، نفرح لفوزه و نلتمس الأعذار حين يخسر. أصبحت جدتي تدعو له و هي تشاهد مبارياته و تقول: "ربنا يسعدك يا فيدرر يا ابن أم فيدرر"، و حين تظهر صديقته –أصبحت الآن زوجته و أم عياله- على الشاشة و هي تشجعه في الملعب تقول جدتي: "ربنا يستر عليكي و تتجوزوا".

حكمة اليوم
أؤمن –دون إفراط أو تفريط- بالمثلين القائلين "من شبّ على شيء شاب عليه" و "الطبع يغلب التطبع"، لذا فلن أكبح "طبعي" و ما "شببتُ" عليه و سأستمتع بتنظيري و إلقائي الحكم.

الأسرة هي محور حياة كل إنسان و أغلى ما فيها، يتطبع بالكثير من طبائعها و ينسجم مع معظم عاداتها، يحب أفرادها كلهم –أو جلهم- على اختلاف طبائعهم و شخصياتهم. قد يمر في حياة كل منا العديد من الأصدقاء و زملاء العمل، لكن تبقى تلك النقطة في وسط القلب لمن عرفنا في صغرنا مزاحهم، و شببنا على أفراحهم، و شبنا على  جلساتهم، من أهل كبار حملونا أطفالاً، أو أقران لنا شاركونا ألعابنا، أو أزواج عاشوا معنا لحظات كفاحنا الحلوة و المرة.


كلامي موجه لي و لغيري، لكل ظالم لزوجته أو مُخاصم لأخيه أو عاق لأبيه، أو مجرد من لم يدرك بعد قيمة العائلة. تذكر حديث من هو أفضل مني ومنك  ومن كل الناس: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي".

بقي، عزيزي القاريء، أن أخبرك أنّ الحجة نانا تضع صورتين بجوار سريرها، صورة كاتب هذه الكلمات، و صورة مقصوصة من جريدة لشخص يشبه ابن خالتي اسمه "روجر فيدرر".


* لسان العرب:
الشَنْف: الذي يُلبس في أعلى الأذن، بفتح الشين، و الذي في أسفلها القُرْط.

الجمعة، 6 يناير 2012

النقد اللطيف لعلم التسويف

أبريل ٢٠٠٨ - آخر ندوينة على هذه المدونة،
ثم سبات عميق.

ديسمبر ٢٠٠٨ - العدوان الصهيوني على قطاع غزة،
المدونة ما زالت نائمة بكل وقاحة.

يناير - تموز ٢٠٠٩ - قابلت ألطف و أذكى إنسانة في حياتي، "زينة". خطبنا و تزوجنا و أصبح نعيش تحت سقف واحد مع خروف صغير قط سمين اسمه "كا".
المدونة ما زالت في سبات غريب ملفوف بألف علامة تعجب. هل مات المدون؟ هل انتقل إلى بلد اسكندنافي ليمارس هواية صيد الأسماك؟ هل وقع نيزك على رأسه أنساه اللغة العربية و أصبح يبرطم* بلغة غريبة.

ديسمبر ٢٠٠٩ - بعد أربعة أبناء و حفيدين كلهم من الذكور، عائلة الأسد** تستقبل أول مولودة. لمزيد من الإثارة و التشويق، قام والداها بتسميتها ثلاثة أسماء على مدى عامين، "نور" و "زين" و "تالية". استقر رأيهم أخيراً بعد أقل من عامين من ولادتها على "تالية الأسد". جينات عائلة "الأسد" الآن في جسم فتاة. الطف يا رب.
المدونة مازالت نائمة حتى اشعار آخر.

٢٠١١ - ربيع عربي، ثورة تلو ثورة، حاكم يهرب و آخر يُعتقل و ثالث يُقتل، شعب يثور و آخر يحارب و ثالث يفضل الموت دفاعاً عن تراب وطنه على أن يعيش ذليلاً على نفس التراب.
المدونة نائمة و تشخر و لا يصدر عنها أي بيان استنكاري أو احتفالي أو تشجيعي أو تحريضي أو تآمري أو تنظيري أو تحليلي. ريب فان وينكل*** نفسه لا يستطع مجاراة هذه المدونة في النوم.

بداية عام ٢٠١٢- المدونة تستيقظ :)
تشجيع متواصل ثم تهديد بالتوقف عن التشجيع من زوجة امبراطور المدونة كان كفيلاً بحل المشكلة.

***

أخي القاريء المخلص، أختي المتابعة الجديدة،
المدونة الثورية الأسطورية العميلة المناضلة تعود من جديد. نفس الأصابع تكتب، لكن بمخزون جديد و هائل من الأحداث و الأفكار التي ستسطر في صفحاتها.

السبات العميق الذي غرقت فيه هذه المدونة، هو نتيجة شيء واحد اسمه "التسويف"، أو كما يقول أصحاب العيون الخضراء و الشعور الشقراء: "Procrastination".
تسويف و تأجيل و مماطلة لأمور عديدة في حياتي، لأجمل هواية يمكن أن يحبها إنسان -القراءة و الكتابة-، لتنظيم حياتي الشخصية و المهنية و الاجتماعية.


رغم أن قلبي لا يستسيغ عادة قرارات العام الجديد New Year's Resolutions إلا أنني قررت أن يكون عام ٢٠١٢ هو عام الربيع الأسدي، عام الثورة على التسويف، الانقلاب على عادة تأجيل عمل اليوم إلى الغد.

الرجاء ربط أحزمة العقول، و وضع القلوب على الوضع الصامت، مدونة "أبو السوس الأسداوي" عادت من جديد.

* معجم لسان العرب:
برطم: ... البرطمة: عبوس في انتفاخ و غيظ...
** ليس لدينا فروع آخرى في سوريا. عائلة الأسد صناعة أردنية 100%
*** كل الشكر لمجلة ميكي التي علمتني من هو "ريب فان وينكل". مجلة ميكي: مصدر كل معلوماتي الموثوقة :)



الأحد، 27 أبريل 2008

عرين الأسد اذ يعلو زئيره

أعود للحديث -و قد أسكتني الكسل عاماً و نيّفاً من الشهور- عما يجول في خاطري و يحلو لنفسي أن أشارك به الناس. أعود و أنا مدركٌ أنّ باكورة عودتي يجب أن تحملَ من لطف المعنى و جزالة الرأي ما يعوض طول الانقطاع.

انّ من نعم الله علينا ما له تأثير متقطّع (أو كذلك نشعر) كنعمة الطعام التي نقدّرها حين نجوع، فاذا أكلنا و شبعنا فانّنا قد ننساها الى أن يعاودنا الشعور بالجوع. كما أنّ من نعم الله علينا ما هو ماثل على الدوام أمام أعيننا و حاضر ما حيينا في قلوبنا، يدخل حياتنا فتشرق شموسٌ بعد أن كانت شمساً، و تهبُّ نسائمٌ بعد أن كانت هواءً ساكناً، فتبقى في حياتنا تضيئها و تعطرها الى أن يتوفانا الله.

و قد كان من فضل الله على أسرتنا في نصف السنة المنصرم أن رزقنا بنعمتين من النوع الثاني غيرتا حياتنا، شبلين صغيرين جاءا الى عرين الأسد فملآه زئيراً (أو ما يبدو أنّه زئير)، و مذ جاءا أصبح للحياة طعمٌ آخر.



بعد السبق الصحفي لهذه المدونة في كشفها لأسرار و فضائح الاخوة الأربعة (اضغط هنا)، نعود الآن لنسلط الضوء على جيل جديد: ثلث الطول، ضعف الازعاج لكن بكل الاستحواذ على القلوب، حمزة و تاج الدين الأسد.

حمزة الأسد

والداه هما ناصر الأسد و سجى النشاشيبي.

وُلِد يوم 12/10/2007 الموافق للأول من شوال لعام 1428 للهجرة، أول أيام عيد الفطر المبارك. شاء الله أن يُولد في يوم عيدٍ يَحرُم صيامه و بعد صيام ثلاثين يوماً فكان قطعة حلوى لم و لن نشبع منها أبداً.


أسماء الدلع حمّوزي، حِمِيزه، الفيل...


الهوايات أكل الكتب (حرفيّاً)، سحب الأطباق أثناء الجلوس على مائدة الطعام و ركل الأشياء بقدميه أثناء حملِه في الهواء.... مع حمزة، للتدمير طعمٌ آخر...

توقعات مستقبلية بعد ركله المستمر للعديد من علب المناديل الورقية، نتوقع احترافه لعبة كرة القدم. والداه يمنّيان النفس بتقاعد مبكر حين يحترف اللعبة...

معلومات أخرى أحاول كلما حملتُ حمزة أن أنظرَ اليه مباشرة و ألقنَه اسمي "سا..ري......سا..ري". هدفي هو مباغتة والديه ليكون اسمي هو أول كلمة ينطقها.



تاج الدين الأسد

والداه هما أحمد الأسد و ياسمين الخواجا.

وُلِد يوم 19/1/2008 الموافق للعاشر من محرم لعام 1429 للهجرة، يوم عاشوراء. شاء الله أن يُولدَ في يومٍ يُسنُّ صيامُه و أن يحنّكه أبوه بقطعة من التمر بعد ولادته ليكون بشرى لنا بولد صالح ان شاء الله.

أسماء الدلع أسد الأسود، طجاطيجو، طجطوج (و كل اشتقاقات الفعل طجطج... على وزن فعلل)...

الهوايات الاستلقاء على بطنه، أكل يديه الاثنتين في آن واحد و التحديق الشديد مع اغلاق جزئي للعينين و اجالة النظر يمنة و يسرة في وجوه الناس.

توقعات مستقبلية تحديقه المستمر و الصامت يوحي بأنّه سيكون مفكّراً كبيراً ذا شأن (أو شخصاُ متطفّلاً يهوى النظر في وجوه النّاس... مثل أبيه).

معلومات أخرى يحلو لأبيه أن يحملَه في أرجاء البيت منشداً له جميع الأناشيد الدينيّة و الوطنيّة التي تدعو للجهاد و مقاومة العدو... ليس غريباً أن ترى الأب و الابن يتجولان في البيت على ايقاع "الله أكبر فوق كيد المعتدي". عند سؤال الأب، أفادنا بالتالي: "ابني وحش"...


***************

كان من عادتي في الماضي أن أستغرق في أحلام اليقظة متخيلاً نفسي بطلاً ينقذ الآخرين أو رياضيّاً يعشقه الناس، لكن الشهور الأخيرة شهدت تحوّلاً في تلك الأحلام. أصبحتُ أرى نفسي بعد سنين من يومنا هذا، جالساً مع والديّ و اخوتي و زوجاتنا، و حولنا مجموعة كبيرة، صاخبة تارة و وديعة تارة أخرى، من "فلذات الأكباد التي تمشي على الأرض".



من اليمين: ساري (أكثرهم وسامة)، ناصر حاملاً حمزة، هاشم، أحمد حاملاً تاج الدين