StatCounter

الأحد، 2 ديسمبر، 2012

المُنقَرِضات

طائر الدودو

(التدوينة رقم 2 في مشروع ال 31 تدوينة)

نُشرت يوم الخميس 6 كانون الأول 2012 في جريدة القدس العربي صفحة 17 (منبر القدس)

المُنقَرِضات في حديثي اليوم ليست مخلوقات ضخمة كانت تمشي على أربع على هذه الأرض قبل عدة ملايين من السنين، أو طيوراً غريبة ذات مناقير ضخمة لا حظ لها من الطيران، عاشت و ماتت قبل أن أولد و يولد أبي و جدي و جد جدي.

حديثي ليس عن مخلوقات، إنما عن أشياء و أصوات و روائح و مشاعر عرفناها و عايشناها و كانت جزءاً من حياتنا. نستيقظ على صوتها و نعيش يومنا على رائحتها و ننام ليلاً نفكر بها، فإذا بها يوماً تختفي، أو تبدأ بالاختفاء، بشكل يوحي أنها ستلاقي نفس مصير سابقاتها من المنقرضات.

راودتني هذه الخاطرة بعد أن استمعت إلى أحد البرامج الإذاعية عن الأصوات التي انقرضت من حياتنا. كان الحديث عن أشياء بديهية، كصوت الآلة الطابعة الذي استبدل الآن بصوت نقرات لوحة المفاتيح، أو صوت إغلاق سماعة الهاتف بقوة ناطقة بالغضب و الذي استبدل بنقرة على زر إغلاق، أو لمسة على شاشة جهاز محمول يستوي فيها الفتى الهاديء المُسالم و الرجل الغاضب المعاتب.

شغلتني هذه الفكرة، و أخذت أتساءل عن أشياء أخرى قد لا يعايشها أولادي كما عايشها أبوهم. هل ستبقى الإشارات الضوئية تملأ شوارعنا؟ أم أنني سآخذهم إلى المتحف الوطني لأريهم عموداً في أعلاه ثلاثة أضواء كنا نستعملها لتنظيم المرور منذ عدة سنين؟ هل سيتندرون من غرابة الفكرة؟ هل سيأخذون صوراً تذكارية بجوار ذاك العمود ليروها لأصدقائهم؟

هل سألت نفسك يوماً عن الأشياء التي عايشتها بشكل يومي لكن أبناءك قد لا يعاصرونها كما فعلت؟ هل ستنقرض المفاتيح لتحل محلها لوحات أرقام تستعمل لفتح الأبواب و السيارات؟ هل ستختفي النقود من جيوبنا لتحل محلها حسابات الكترونية يتم السحب منها عند الشراء؟ هل سينسى الناس كيفية قيادة السيارة حين تنتشر السيارات التي تقود نفسها؟ و إن حدث ذلك، هل سيصبح في مقدور الفتى الصغير أن يأخذ سيارة أبيه إلى أي مكان يريده دون الحاجة إلى رخصة قيادة؟ ما مصير ما نمسك في أيدينا من كتب و مجلات و صحف؟ هل مصيرها هو كلمات إلكترونية تصلنا عبر الإنترنت لنقرأها ثم نحفظها في مساحة الكترونية  خفية؟ هل يعني هذا اختفاء المكتبات العامة من شوارعنا و المكتبات الخاصة من بيوتنا؟ ما الداعي لوجود قلم الرصاص و المبراة في حياتنا إن كنا نستطيع نقر كلماتنا على شاشة زجاجية؟ هل من داعٍ لتعلم الخط العربي و كيفية كتابة الحروف؟ أم أن ذاك سيصبح جزءاً من تراث أمتنا نسمع عنه في برنامج "حدث في مثل هذا اليوم"؟

الكثير مما ذكرت في الفقرة السابقة بدأ يتحقق منذ مدة، إلا أن انتشاره لم يطغَ بعد بشكل يؤدي إلى انقراض سلفِه. أنا أقرُّ بفائدة التكنولوجيا في حياتنا و ما توفره من سرعة و كفاءة بالإضافة إلى حفاظها على البيئة و تقليلها لعدد الأشجار المقطوعة لصناعة الورق، لكنني أخاف كل الخوف على حياتنا حين تختفي كل الأوراق و الأخشاب و المعادن التي اعتدنا استعمالها لأغراضنا المختلفة لتحل محلها أجهزة الكترونية قد تبعدنا عن القريب بقدر ما تقربنا من البعيد.

قد لا أستطيع، و لا أريد، اختصار الموضوع ببساطة في حلول الاختراعات الحديثة مكان القديمة. الموضوع يتعدى ذلك ليصل إلى مواقف كنا نعيشها فأصبحت جزءاً من الماضي، أو مشاعر كنا نشعر بها فلم يبقَ منها سوى ذكرى قديمة بين آلاف الذكريات في رؤوسنا، أو حتى أصواتٍ كانت جزءاً من نسيج يومنا فكادت أن تصبح ذكرى من الماضي.

و لعل الأحداث السياسية التي نعايشها الآن تبشرنا بمستقبل قريب ينقرض فيه بشكل كامل تقديس الحاكم الأوحد الملهم الذي لا يقول إلا حقاً و لا يفعل إلا خيراً. قد ينقرض ذاك الحاكم و يتحول إلى إنسان طبيعي يصيب فيُشكر و يخطيء فيُقَوَّم، لا توضع صورته على الصفحة الأولى من الصحيفة إلا حين تستدعي الحاجة ذلك.

من يسكن مصر يعرف النداء الشهير "بيكياااااا بيكياااااا" لبائع الروبابيكيا (الخردوات) المتنقل، و يقابله في الأردن عربة الخردوات و الأجهزة القديمة التي تذيع النداء المسجل الشهير "تلاجاااات غسالااااات". سكان الاسكندرية يعرفون صوت بائع الفريسكا من بعيد "فريسكااااا" فيهرع إليه الأطفال طمعاً في قطعة من تلك الحلوى اللذيذة. هل ستبقى هذه النداءات التي اعتدنا سماعها منذ نعومة أظفارنا؟ أم أنها ستتحول إلى سلع تستدعى بنقرة واحدة حين الحاجة إليها.

هذه المقالة ليست دعوة للبكاء على الماضي و التحجر ضد أي اختراعات تسهل الحياة، إنما هي دعوة لتقدير ما بين أيدينا الآن و عدم التفريط فيه، و التعقل في كمية التكنولوجيا المستعملة في حياتنا و عدم الإفراط فيها.

هناك 6 تعليقات:

عبدالكريم العنزي يقول...

وانا أقرأ هذه المدونة تبادر في مخيلتي حوار يجمع بين فتيان صغيران يقول أحدهما للآخر,,, تخيل انه قديما كانوا لا يقودون السيارة الا برخصة, وأنهم حتى يحصلوا على هذه الرخصة فانهم يخضعون لامتحان رسمي من شرطة المرور, وعندها يفغر الفتى الاخر فاه مستغربا ويقول... معقووووول, شكلك بتبالغ :)

ساري يقول...

إن استطاع الكاتب أن يثير مخيلة قارئه، فهو على الطريق الصحيح إن شاء الله.

شكراً عبد الكريم...

إبراهيم المرو يقول...

من ناحية اقتصادية بحته، أنا سوف أحتفظ بأكبر كم من الأشياء لأطول عمر ممكن!

ثم أبيعها في مزاد للقطع الأثرية النادرة بعد 20 سنة إن شاء الله

ساري يقول...

إبراهيم:
عين العقل... :)

غير معرف يقول...

Anas Dalgamouni: I like it, i believe that too much technology may not be very healthy especially that when you miss this technology you may not know how to use the 'original' , simple less advanced alternative

ساري يقول...

أنس،
كلام صحيح و فاتني أن أذكره.
شكراً صديفي.