StatCounter

الجمعة، 10 مايو، 2013

ابن العرب الأقحاح على ساحل البحر

إن من حسن عناية الكاتب بقرائه و اهتمامه براحتهم أن لا يستخرج بعض مصطلحاته المستعصية على الفهم، أو تلك التي تراوح مكانها في ذهن قارئها بين الإبهام المزعج و الفهم المشوب باختلاط معنيين أو أكثر، أقول إن من حسن عنايته أن لا يستخرجها من بطون المعاجم ثم يلقيها إلقاءً في مقاله لا يلقي لمتلقيها بالاً و لا يرى ضرورة لإشارة يشيرها إلى معناها إما في الحاشية أو في فحوى حديثه. لذا فإن استعمالي لكلمة "الأقحاح" في عنوان مقالي يستدعي أن أشير إلى معناها قبل بدء حديثي.

مفرد كلمة أقحاح هو قُحّ بضم القاف و تشديد الحاء، و جذر كلمة قح هو "قحح"، و القح هو الخالص من كل شيء، و العربي القح هو العربي الأصيل الخالص. الآن أدخل في صلب حديثي.

منذ عدة سنين، قد تكون ستاً أو تزيد أو تنقص قليلاً، قضيت مع أهلي و على رأسهم جدي و جدتي عطلة أحد العيدين في أحد فنادق مدينة العقبة التي نسميها في الأردن "ثغر الأردن الباسم". و لمثل تلك العطل فوائد جمة، أولها قضاء المرء وقتاً لطيفاً مع أسرته بعيداً عن ضغوط العمل و متطلبات البيت، و ثانيها أنه يتاح له إن كان من أهل التأمل أن يغرق في سكينة البحر فجراً أو يسمع تلاطم موجه ظهراً أو ينظر إليه فيتخيل مخلوقاته كبيرها و صغيرها، غريبها و مألوفها، ليلاً. فإن فعل كل ذلك أو جُلَّه ثم رأى أسرته حوله، سبح الله على عظيم خَلقه و شكره على جميل نعمه.

و حيث أنني كنت أتشدق في نفسي، و مازلت، بحبي للقراءة تشدقاً  أخفيه عن الناس لكن تأبى نفسي إلا أن تظهره لمن حولي حباً وعشقاً للقراءة لا غروراً و بحثاً عن الإشادة، فإنني اصطحبت معي كتاب "العبرات" للأديب المصري الساحر مصطفى لطفي المنفلوطي، و كنت قد منيت النفس باختطاف بعض اللحظات التي أخلو فيها إلى كتابي، فأسمع من المنفلوطي و أطرب له، ثم أُطرق إلى البحر متخيلاً ما يصفه لي صديقي الذي ولد قبلي بمائة عام و نيف، ثم أعود إلى كتابي بعد أن أفرغ من تخيلاتي.

و قد حدث ما أردت و وجدت الوقت الذي طلبت، فقد عرفت موعد تقديم وجبة الإفطار، السادسة و النصف أو السابعة صباحاً، فحرصت على أن أسبق أهلي كل يوم في ذاك الموعد إلى مكان الإفطار فأكون وحدي مع العاملين في المطعم ثم أختار طاولة في الساحة الخارجية تسمح لي بالنظر إلى البحر و الاستمتاع بنسيم الصباح. و ما إن أرتاح في جلستي حتى أفتح كتابي لأرى أين توقفنا يوم أمس، أقول توقفنا لأنني أشعر أنني أجالس المنفلوطي، فيحدثني هو و أهز رأسي أنا، ثم يكمل حديثه فأبتسم أو أحزن تبعاً لكلامه.

و قد اعتدت في جلستي اليومية أن يأتيني النادل حاملاً ابريقين ثم يسألني إن كنت أريد شاياً أم قهوة مشيراً إليهما، فأجيبه ذات الجواب الذي يجعله يضرب أخماساً في أسداس. أرفع رأسي إليه في بطء مهيب و أرمقه بنظرة تقطر شموخاً ثم أجيبه بصوت عميق كله إباء: "عندك هوت تشوكلت Hot Chocolate (شوكولاتة ساخنة)؟" فيجيبني بالإيجاب، و يذهب لإحضار الابريق الساخن الثالث الذي لم يحمل عناء إحضاره باديء الأمر، ثم يتركه لي لعلمه أنني الوحيد الذي ينزل في هذا الوقت المبكر و يطلب هذا الشراب. و بهذا تكتمل رباعيتي الجميلة: كتاب رائع و بحر ساحر و نسيم عليل و شوكولاتة ساخنة.

و أبقى على حالي تلك ساعة، تزيد أو تنقص قليلاً، ثم يبدأ أفراد أسرتي بالانضمام إلي على دفعات فأغلق وجبتي الأدبية المنفلوطية و أمتطي جوادي نحو الوجبة البطنية ال"بوفيهية" ثم أعود إلى طاولتي حاملاً ما غنمت من ذاك "البوفيه". و لعلي أردت بين تقطيعي للبيض أو تقشيري للموز أو توزيعي للمربى على وجه قطعة الخبز أن أغافل أهلي فأُخرج نفسي من الموضوع الذي يشغلهم إلى ذاك الذي كان يشغلني، فأفتح كتابي لأكمل الفقرة التي توقفت عندها، أو أعيد قراءة السطر الذي أعجبني ثم أعود إلى جلستي العائلية خفيةً بخفة كما خرجت منها خفيةً بخفة.

يمضي يومي جميلاً كما بدأ جميلاً، و كيف لا يأتي الجمال و أنت بين أهلك؟ و أي خير هنالك لمن لا يهنأ بمجالسة أهله؟ ثم تمر الأيام القليلة و تنتهي العطلة الجميلة فأعود إلى بيتي الدافيء في عَمَّان الحبيبة تاركاً وراءي البحر و نسيمه، راضياً بل سعيداً بما لدي: أهلي و المنفلوطي و الشوكولاتة الساخنة.

هناك 10 تعليقات:

Nagla Al Khoreiby يقول...

ساري، انا نجلا صاحبة مريم الابياري و كانت قالتلي عن كتاباتك لحبي للقراءة و الكتابة باللغة العربية بالاخص، و قريت منهم فعلا بس ماجتش فرصة اني اعلّق عليهم قبل كدة. كنت عايزة اقولّك ان قد ايه معجبة بطريقتك في الكتابة و تمكنك من اللغة، و انّك بتُلقي خِفّة في الكتابة بتخلّي القارئ يبتسم فعلا! حقيقي bravo :D و اتمني اشوفلك كتاب عن قريب.
سلملي علي نونّي كتير :)

Nayera ElMiniawi يقول...

رائع رائع ...SARY ,like dickens you make your readers laugh and cry ! You bring smiles to my face ...nostalgia in my heart and giggles in my life !! Bless you .
Nayera el Miniawi

ساري يقول...

نجلا:
شكراً جزيلاً لمتابعتك و لكتابتك رأيك. أرجو أن اكون على قدر ما قلتِ عن كتاباتي.
هدفي هو كتابة كتاب إن شاء الله. لا أعرف موضوعه بعد لكنني أعرف أنني أريد أن أكتبه.
و شكر خاص لمريم، مديرة أعمالي في مصر :)
سلامك وصل لنوني.

ساري يقول...

أمي:
تيرارارا...
كلامك شعر كالعادة. جميل و معبر.
أرجو أن أستطيع أن أكتب دائماً ما يسعدك و يرضيك.
حبيبتي يا أمي.

منيب عرابي يقول...

و قد حدث ما أردت و وجدت الوقت الذي طلبت، فقد عرفت موعد تقديم وجبة الإفطار، السادسة و النصف أو السابعة صباحاً، فحرصت على أن أسبق أهلي كل يوم في ذاك الموعد إلى مكان الإفطار فأكون وحدي مع العاملين في المطعم ثم أختار طاولة في الساحة الخارجية تسمح لي بالنظر إلى البحر و الاستمتاع بنسيم الصباح. و ما إن أرتاح في جلستي حتى أفتح كتابي لأرى أين توقفنا يوم أمس، أقول توقفنا لأنني أشعر أنني أجالس المنفلوطي، فيحدثني هو و أهز رأسي أنا، ثم يكمل حديثه فأبتسم أو أحزن تبعاً لكلامه.

رااااااااااائع يا ساري .... يبدو أن قراءاتك تثمر حساً جميل :)

ساري يقول...

منيب:
صديقي، يعجبني أنك تضع اقتباساً مما أعجبك.
أنا سعيد برأيك، و أنت تعرف أن رأيك مهم جداً عندي.
أرجو أن أكتب دائماً ما يعجبك، أو أن يعجبك ما أكتب.

Abdullah Ayasrah يقول...

عبد الله عياصرة

فوق الرائع بعشرين ...
ومما اعجبني :" صديقي الذي ولد قبلي بمائة عام"
ولكن ما لا استطيع تخيله كيفية قول
"هوت شوكلت" بصوت كله اباء هههههههه

والجميل في اسلوبك انك تُفصّل من غير ملل ... لا فض فوك.

ساري يقول...

عبدالله:
عليك أن تستشعر قيمة الهوت تشوكلت لتقولها باقتناع.

أعجبتني ملاحظتك: "..تفصل من غير ملل.."

شكراً يا صديقي.

مها الشريف يقول...

مجالستك للمنفلوطي جعلك تتبع اسلوبه في التفصيل والتوضيح الممتع بسهولة ويسر، دون ان تفقد اسلوبك الخاص وشخصيتك الظاهرة بقوة بين الاسطر

ساري يقول...

شكراً جزيلاً.
فعلاً مجالسة كبار الأدباء تورث حساً و أسلوباً جميلين، أو الأصح أنها تؤثر على الأسلوب الخاص لمن يجالسهم بشكل إيجابي جميل.