StatCounter

الاثنين، 23 ديسمبر، 2013

البطة الغاضبة في أعماق قلبي

ما أزال أذكر ذاك اليوم، مر عشرون عاماً أو أكثر بقليل على أحداثه التي لا أنساها.

كنت ألعب مع ابن خالتي في بيتنا بمصر، و بطبيعة الحال انقلب اللعب مناكفة و تحولت المناكفة إلى مجادلة و انتهت المجادلة بمطاردة انتهت بنجاتي من ابن خالتي و إغلاقي الباب خلفي. أسندت ظهري إلى الباب و أطلقت العنان لأنفاسي المتلاهثة السعيدة.

لا أذكر الآن سبب تحول اللعب إلى مناكفة، لكن الأرجح أنني استفززته بإحدى أساليبي المبتكرة في تحويل البشوش الهاديء الحليم إلى بركان ثائر عظيم.

طرق أسماعي صوت ابن خالتي من الجهة المقابلة يناديني:
"افتح الباب!"

ضحكت من قلبي و أجبت باستحالة ذلك.

مرت لحظات ثم عاد صوته:
"معي مجلد ميكي. افتح الباب و إلا سأمزقه".

ارتجّ قلبي، ثم تمالكت أعصابي و اصطنعت السخرية من كلامه: "لن أفتح".
كنت واثقاً أنه لن يمزقه.

مرت لحظات أخرى ثم سمعت صوت أوراق تتمزق، تكرر الصوت مرة تلو الأخرى.

انشرخ قلبي شرخاً عميقاً، ثم تمالكت ما بقي من أعصابي و أقنعت نفسي أنه لا يمكن أن يكون قد مزق "مجّلد ميكي". مهما بلغت الخصومة و مهما اشتعل الغضب، فإن إمكانية تمزيق "مجلّد ميكي" بعيدة جداً عن البال.

هدأت و اقتنعت أنه مزق جريدة ليخيفني. طأطأت رأسي إلى أسفل لألتقط أنفاسي التي انقطعت في لحظة فزع. فجأة، عبر عقب الباب ومن بين قدمي دفع ابن خالتي الأوراق التي مزقها. لقد فعلها، لقد مزق "مجلد ميكي".

تحطم قلبي قطعاً صغيرة. هوت القطع و هويتُ معها أرضاً.

تمزق مصدر المعلومات الأول لدي. اختفى المرجع المعتمد لكل معلوماتي الأدبية و الاجتماعية و الرياضية و الفكاهية و السياسية و الاقتصادية. ذهب أغلى ما لدي.

أمسكت الأوراق الممزقة لأتأكد، و رأيت ما لم أره من قبل: صور قصص ميكي مختلطة بصور قصص بطوط. إنها السريالية في أقصى و أقسى صورها.

توقفت عن جمع الأوراق و جلست منهاراً خلف الباب أسمع صوت ابن خالتي يحتفل بانتصاره في معركة ما كان يجب أن تنتهي بهذا الشكل. مر باقي اليوم ثقيلاً، ثم مرت الأيام و نسيت الموضوع.

كنت دائماً و مازلت أحب ابن خالتي. اعتدنا عندما يزورنا في الأردن أن يحضر لنا هدايا جميلة. أنا كبير الآن و لقد سامحته على ذاك اليوم، سامحته لأنه ابن خالتي، سامحته لأنه صديقي، سامحته.

أعتقد أنني سامحته.

لكنني أخشى أن تكون في مكان ما في أعماق قلبي بطة عجوز وحيدة تجلس على كرسي خشبي كبير أمام مدفأة حجرية مشتعلة، بطة وحيدة و غاضبة، اسمها عم دهب، و في عينيها بريق الانتقام الذي لم ينطفيء من عشرين عاماً.

***

* تنويه ضروري لحفظ العلاقات الأسرية:
ابن خالتي شخصية طيبة، و أي محاولة في النص السابق لتشويه صورته هي جزء من العملية الانتقامية اللاشعورية المستمرة.

** لمن حرمته طفولته القاسية من معرفة عم دهب، إليكم صورته:

الجمعة، 10 مايو، 2013

ابن العرب الأقحاح على ساحل البحر

إن من حسن عناية الكاتب بقرائه و اهتمامه براحتهم أن لا يستخرج بعض مصطلحاته المستعصية على الفهم، أو تلك التي تراوح مكانها في ذهن قارئها بين الإبهام المزعج و الفهم المشوب باختلاط معنيين أو أكثر، أقول إن من حسن عنايته أن لا يستخرجها من بطون المعاجم ثم يلقيها إلقاءً في مقاله لا يلقي لمتلقيها بالاً و لا يرى ضرورة لإشارة يشيرها إلى معناها إما في الحاشية أو في فحوى حديثه. لذا فإن استعمالي لكلمة "الأقحاح" في عنوان مقالي يستدعي أن أشير إلى معناها قبل بدء حديثي.

مفرد كلمة أقحاح هو قُحّ بضم القاف و تشديد الحاء، و جذر كلمة قح هو "قحح"، و القح هو الخالص من كل شيء، و العربي القح هو العربي الأصيل الخالص. الآن أدخل في صلب حديثي.

منذ عدة سنين، قد تكون ستاً أو تزيد أو تنقص قليلاً، قضيت مع أهلي و على رأسهم جدي و جدتي عطلة أحد العيدين في أحد فنادق مدينة العقبة التي نسميها في الأردن "ثغر الأردن الباسم". و لمثل تلك العطل فوائد جمة، أولها قضاء المرء وقتاً لطيفاً مع أسرته بعيداً عن ضغوط العمل و متطلبات البيت، و ثانيها أنه يتاح له إن كان من أهل التأمل أن يغرق في سكينة البحر فجراً أو يسمع تلاطم موجه ظهراً أو ينظر إليه فيتخيل مخلوقاته كبيرها و صغيرها، غريبها و مألوفها، ليلاً. فإن فعل كل ذلك أو جُلَّه ثم رأى أسرته حوله، سبح الله على عظيم خَلقه و شكره على جميل نعمه.

و حيث أنني كنت أتشدق في نفسي، و مازلت، بحبي للقراءة تشدقاً  أخفيه عن الناس لكن تأبى نفسي إلا أن تظهره لمن حولي حباً وعشقاً للقراءة لا غروراً و بحثاً عن الإشادة، فإنني اصطحبت معي كتاب "العبرات" للأديب المصري الساحر مصطفى لطفي المنفلوطي، و كنت قد منيت النفس باختطاف بعض اللحظات التي أخلو فيها إلى كتابي، فأسمع من المنفلوطي و أطرب له، ثم أُطرق إلى البحر متخيلاً ما يصفه لي صديقي الذي ولد قبلي بمائة عام و نيف، ثم أعود إلى كتابي بعد أن أفرغ من تخيلاتي.

و قد حدث ما أردت و وجدت الوقت الذي طلبت، فقد عرفت موعد تقديم وجبة الإفطار، السادسة و النصف أو السابعة صباحاً، فحرصت على أن أسبق أهلي كل يوم في ذاك الموعد إلى مكان الإفطار فأكون وحدي مع العاملين في المطعم ثم أختار طاولة في الساحة الخارجية تسمح لي بالنظر إلى البحر و الاستمتاع بنسيم الصباح. و ما إن أرتاح في جلستي حتى أفتح كتابي لأرى أين توقفنا يوم أمس، أقول توقفنا لأنني أشعر أنني أجالس المنفلوطي، فيحدثني هو و أهز رأسي أنا، ثم يكمل حديثه فأبتسم أو أحزن تبعاً لكلامه.

و قد اعتدت في جلستي اليومية أن يأتيني النادل حاملاً ابريقين ثم يسألني إن كنت أريد شاياً أم قهوة مشيراً إليهما، فأجيبه ذات الجواب الذي يجعله يضرب أخماساً في أسداس. أرفع رأسي إليه في بطء مهيب و أرمقه بنظرة تقطر شموخاً ثم أجيبه بصوت عميق كله إباء: "عندك هوت تشوكلت Hot Chocolate (شوكولاتة ساخنة)؟" فيجيبني بالإيجاب، و يذهب لإحضار الابريق الساخن الثالث الذي لم يحمل عناء إحضاره باديء الأمر، ثم يتركه لي لعلمه أنني الوحيد الذي ينزل في هذا الوقت المبكر و يطلب هذا الشراب. و بهذا تكتمل رباعيتي الجميلة: كتاب رائع و بحر ساحر و نسيم عليل و شوكولاتة ساخنة.

و أبقى على حالي تلك ساعة، تزيد أو تنقص قليلاً، ثم يبدأ أفراد أسرتي بالانضمام إلي على دفعات فأغلق وجبتي الأدبية المنفلوطية و أمتطي جوادي نحو الوجبة البطنية ال"بوفيهية" ثم أعود إلى طاولتي حاملاً ما غنمت من ذاك "البوفيه". و لعلي أردت بين تقطيعي للبيض أو تقشيري للموز أو توزيعي للمربى على وجه قطعة الخبز أن أغافل أهلي فأُخرج نفسي من الموضوع الذي يشغلهم إلى ذاك الذي كان يشغلني، فأفتح كتابي لأكمل الفقرة التي توقفت عندها، أو أعيد قراءة السطر الذي أعجبني ثم أعود إلى جلستي العائلية خفيةً بخفة كما خرجت منها خفيةً بخفة.

يمضي يومي جميلاً كما بدأ جميلاً، و كيف لا يأتي الجمال و أنت بين أهلك؟ و أي خير هنالك لمن لا يهنأ بمجالسة أهله؟ ثم تمر الأيام القليلة و تنتهي العطلة الجميلة فأعود إلى بيتي الدافيء في عَمَّان الحبيبة تاركاً وراءي البحر و نسيمه، راضياً بل سعيداً بما لدي: أهلي و المنفلوطي و الشوكولاتة الساخنة.

الخميس، 28 مارس، 2013

حين قفز الرجل

اعتاد على اختلاط خطواته بأفكاره، فما من خطوة خطاها في حياته إلا و رافقتها فكرة أفضت إليها، أو نشأت عنها، أو تصادفت مع حدوثها. خطوته الأولى في الحياة علمته أنه يستطيع المشي إن جرب، و خطوته الأولى داخل المدرسة ذكرته بأمه و اشتياقه لها، أما خطواته الأولى باتجاه الجامعة للتسجيل فيها فكانت نتاج تخطيطه المستمر لمستقبله.

لكن خطواته البطيئة القليلة اليوم مختلفة. كلها مرتبطة بفكرة، أو قل بتساؤل واحد. "كيف أفضت الأحداث المختلفة في حياتي إلى وقوفي هذا الموقف في هذه اللحظة؟" سؤال عالق في رأسه، لا يخرج منه و لا يُدخل غيره.

كان يعد كل خطوة يخطوها نحو الحافة حتى بقيت واحدة. أغمض عينيه ثم خطا تلك الخطوة اليتيمة. شعر بالهواء القادم من الأسفل يصفعه في وجهه فأدرك حينها الارتفاع الشاهق لتلك الحافة. فتح عينيه المغمضتين و أطرق بنظره إلى الأسفل فرأى المئات من الناس الناظرين إليه. رأى أمه و أخاه الصغير. كانت أمه تنظر إليه بوجه تجمدت الدماء فيه و استحالت كل مشاعره إلى شعور واحد لا يمكن تفسيره. نظرت إليه بعينين متقوستين دامعتين من أثر العمر و رهبة الموقف.

أدرك أنه لا يستطيع الاستمرار في النظر إلى أمه فاستدار و أعطى ظهره للجميع. "نعم، الآن يمكنني أن أقفز عن هذه الحافة دون أن أبالي بالناظرين إلي". هي فكرة أراد أن يزرعها رغماً عن أنفه في رأسه كي لا يتراجع عن قفزته.

استعرض شريط حياته و كل ما كان من شأنه أن يؤدي إلى وقوفه هنا في هذا اليوم. أغمض عينيه مرة أخرى ثم قفز إلى الوراء. قفز في الهواء.

أدرك حينها أن التراجع عن تلك القفزة أصبح بعيد المنال و أن الاتجاه الوحيد أمامه الآن هو إلى الأسفل. تسارع شريط حياته في رأسه، مرت السنون كأنها ثوانٍ و رأى نفسه طفلاً ثم فتى ثم شاباً، رأى أصدقاءه و أقرباءه و جيرانه، لكن الأهم هو أنه رأى أباه و أمه. رأى أباه يلاعبه و أمه تبكي فرحاً بتخرجه من حضانة الأطفال. توقف شريط الحياة عند صورة أمه الباكية السعيدة. تذكر أنها ما زالت واقفة في الأسفل تنظر إليه، باكية.

شق طريقه إلى الأسفل بسرعة كبيرة. رغم ذلك فإن لحظات سقوطه القليلة مرت كأنها ساعات. وصل أخيراً إلى نقطة الصفر. تناثر ذاك السائل الغالي في كل مكان، سائل الحياة، و اختفى ذاك الرجل. كان آخر مشهد قبل اختفائه هو ذاك السائل المتناثر. ساد الهرج و علا صوت الناس. تجمدت الدموع في عين أمه و احتضنت صغيرها.

غريبة هي الحياة. كل أحداثها منذ ولادة الإنسان تفضي في نهايتها إلى لحظة مصيرية لم يدر ببال المرء أنه سيصلها. لحظة صديقنا كانت خطوة صغيرة يخطوها نحو حافة شاهقة و قفزة صغيرة يقفزها على مرأى من أمه الباكية.

ساد الصمت مرة أخرى كأنه الأصل الذي يعود إليه الناس. مرت لحظات طويلة أخرى كأنها أيام يذهل فيها الناس.

فجأة، انشقت الأرض قرب موقع سقوط الرجل و عاد ذاك السائل الغالي إلى التناثر بعد أن هدأ للحظات. خرج صديقنا من بين القطرات المتناثرة.

رفع سبعة رجال سبع أوراق في الهواء ثم دوى صوت مجلجل شق الصمت الطويل:
"نقدم لكم البطل الأولمبي الجديد في الغطس".

بعد لحظات تم تسجيل الرقم القياسي العالمي في أطول عناق بين أم عاشقة و ابنها الحالم.

الأربعاء، 6 فبراير، 2013

الجيش الزاحف صوبي

أجلس في مكاني متابعاً هجومهم علي بالعشرات، لا بل قل بالمئات. أراهم يتدفقون صوبي بسرعة عجيبة من كل زاوية و يقفون على بعد ذراع من وجهي أو يزيد بقليل، ثم يبدؤون بالنظر في عيني مباشرة، متجمدين في أماكنهم كأنهم يخبرونني أننا باقون هنا و أنت الذاهب. لا أتحرك و لا أبالي بتهديدهم. أرى بعضهم يأخذ بالتنازل و الانسحاب تدريجياً بينما البعض الآخر يبقى على موقفه بعناد يماثل عنادي.

أغيب بخيالي لأتذكر ما فعله هؤلاء من قبل ببني البشر، ففي حين أن الأصل أنهم أصدقاء للإنسان يسعد بلقائهم، فقد تسببوا كذلك بخراب عظيم و قتل للأرواح في أكثر من مناسبة. لا أهتز و لا أخاف و أنا أتذكر تلك الأرواح التي أزهقوها، بل أزداد عناداً و ثباتاً على موقفي.

فجأة، تنشق الأرض و يخرج وحش أسود طويل ليضربهم ضربة واحدة فيبيدهم عن بكرة أبيهم ثم يعقبها بضربة أخرى تزيل ما بقي من أشلائهم، ثم يختفي فجأة كما ظهر فجأة. أسكت هنيهة و أدرك أنني لا أخاف من هذا الوحش كما أنني لم أخف قط من ذاك الذي قُطعت أشلاؤه. أغمض عينيّ لحظة و أنا أتخيل ما قد يفعله ذاك الوحش الذي لا أخافه إن قرر أن يهاجمني.

و ما إن اختفى الوحش، حتى جاءت طليعة جديدة من ذاك الجيش تهاجمني كما هاجمتني أختها من قبل. أبتسم بتحدٍ و أستلّ عنادي و أترقب وصولها.

فجأة و من خلف طليعة الجيش الجديدة لمع ضوء أخضر. ضوء أخضر أشعرني أنني يجب أن أهاجم بدل أن أبقى هنا أتلقى ضربات ذاك الجيش.

زدتُ سرعة مساحة السيارة و انطلقتُ بسيارتي سعيداً بعد ملحمة قصيرة على الإشارة انتصر فيها الوحش الأسود "مسّاحو".

السبت، 12 يناير، 2013

الثلج سيد المتناقضات

الثلج هو سيد المتناقضات، ففيه برودة يلمسها الجسد إن لامسه الجلد، و دفء تلمسه الروح إن رأته العين.

السائر في الشوارع في الأيام الصحوة يدعو ليلاً و نهاراً أن يتساقط الثلج الأبيض ليلعب به، أما المحبوس في بيته في الأيام المثلجة فيدعو ليلاً و نهاراً أن يذوب ذات الثلج كي يسير في الشوارع.

الماشي تحته يحث الخطى حتى يجد مكاناً يستظل تحته يتقي به الحبات الساقطة، لكنه يمني النفس أن لا يتوقف ذاك الهطول الأبيض كي يمتع عينيه بمنظر ذات الحبات.

الجالس في بيته ينظر بنشوة سعيداً من النافذة إلى تلك الجيوش البيضاء الباردة الهاطلة على الأرض، لكنه يتذكر بحزن مبتئساً أولئك الذين هربوا من جيوش حقيقية قاصفة، أولئك الذين لا نافذة لديهم لينظروا منها، بل هم الأرض التي تستقبل تلك الجيوش البيضاء الباردة.

الحمد لله على كل ما تساقط و ذاب من ثلوج، و أملي بالله أن يعقب سقوطَ الثلوج ثم ذوبانها سقوطُ أنظمة ظالمة و ذوبان الأساطير الكاذبة المحيطة ببطولاتها الورقية.


الأحد، 30 ديسمبر، 2012

عن المظلومين


(التدوينة رقم 30 في مشروع ال 31 تدوينة)

عن المظلومين اليوم أكتب، عن معاناتهم اليومية مع الظلم المتجسد في أشكال مختلفة.

عن الدين المظلوم بين جفاء بعض أبنائه و بين جهل البعض الآخر. ذاك الدين الذي إن ظهر في صورته الحقيقية لرآه الناس على حقيقته، نور للحياة. لكن فريقاً من أبنائه يصرون على رميه بتهم التخلف و التحجر. الفريق الآخر يثبت تلك التهم.

عن الشعوب المظلومة بين لامبالاة و جهل حكامها و بين نفاق و تبعية بعض أبنائها. تلك الشعوب التي إن عاشت الحياة الكريمة التي تستحق كانت ستبني فتُرزق فتسعد فتعيش. لكن حكامها قيدوها و أوهموها أنهم أدرى بمصالحها و هم على النقيض من ذلك، هم سارقو خيرها و قاتلو أملها. المصيبة في بعض أتباع الحكام من أبناء الشعوب، يغذونهم مدحاً و نفاقاً ليتغذَّوا نقوداً و جاهاً.

عن العلوم المظلومة بين من هجرها هجراً بطعم القتل، و بين من استعملها استعمالاً بطعم القتل كذلك. فريق حول علوم الكون العظيمة إلى مادة جافة تدرس لأبناء المدارس بأسلوب جاف كي يكرهوها فينشؤوا على حب كل ما سواها. فريق آخر أمسك بتلابيب العلم و أتقنه، ثم استعمله ليصنع الأسلحة و يقتل من هو أضعف منه.

عن اللغة المظلومة بين متكبر عليها يشم فيها رائحة الماضي الذي يجب أن يُدفن و بين مستعمل لها أسوأ استعمال. الأول هجرها و تعلم لغة غيرها ليبرطم بها برطمة لا تزيده إلا تبعية للغير الذي لا يأبه بذاك الذي هجر لغته. الآخر استعملها أقبح استعمال في أغانٍ هابطة لا طعم فيها و لا رائحة، و في بذاءات لا تُقبل و لا تُرضى، بدل أن يصوغها في قطع أدبية تحيي الروح قبل الجسد.

عن المواهب المدفونة في نفوس أطفالنا بين من يمنع ظهورها و بين من يستهزيء إن ظهرت. الفريق الأول أشرف على تعليم أطفالنا في المدارس فلم يعر أي اهتمام للموهبة المدفونة في نفس كل طفل من حب للكتابة أو الرسم أو الرياضة و قام بتوجيههم اتجاهاً واحداً لا خير في غيره على زعمه: الطريق العلمي من طب و هندسة و حاسوب، على ما في الاتجاه العلمي من خير إن اتجه له أهله فقط. الفريق الثاني رأى تلك الموهبة تبرز في الطفل فوصل ليله بنهاره استهزاءً به و تنقيصاً من قدره إن هو لم يترك تلك الموهبة و ينشغل بغيرها.

المظلومون كثر، و إنقاذهم واجب. أما أسلوب الإنقاذ فهو الأهم. فإما أسلوب ذكي مع نية حسنة لدراسة أصل المشكلة و معالجتها، أو أسلوب سطحي و نية فاسدة لوضع مساحيق تجميل على قشور المشكلة، مساحيق ستزول بعد حين و تبقى المشكلة.

السبت، 29 ديسمبر، 2012

حب التاريخ قراءة و تأملاً

(التدوينة رقم 29 في مشروع ال 31 تدوينة)

أحب قراءة التاريخ، أحب كل ما هو قديم. قد يعتقد البعض أنني أحب التاريخ لأن التاريخ يعيد نفسه و لأن فيه عبراً كثيرة، و كلا هذين الأمرين صحيحان، لكنهما ليسا السبب الرئيسي. حبي ببساطة راجع لكون قراءة التاريخ تجلب لي متعة لذيذة، كمتعة الطفل حين يركب الدراجة لأول مرة و ينطلق بكل فرحة، فرحة لا حساب فيها للفوائد المترتبة أو العبر المتحصلة، إنما هي المتعة لمجرد المتعة.

و الحق أن قراءة التاريخ تنقسم عندي إلى عدة أنواع، و هذا التقسيم عائد لهوى شخصي و خبرة ذاتية لا لدراسة علمية متفق عليها. خذ مثالاً قراءة ما كتبه أحد المؤرخين قبل عدة مئات من السنين عن زيارته إلى بلد بعيد غريب، و تسجيله لمعالم ذاك البلد و تتبعه لطبائع أهله.

قراءة كتاب كهذا قد تكون سبباً في انعزالي عن محيطي و غرقي في عالم من الخيال، أتخيل نفسي سائراً مع ذاك المؤرخ، أعاين ما يعاينه، آكل مما يأكله بل حتى أُدهش حين أشاهد شيئاً لم أعتد رؤيته في بلدي، يستعمله أهل ذاك البلد بشكل يومي. لعل أحب الأمثلة إلى قلبي هو كتاب "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" (الإبريز هو الذهب)، و هو الكتاب الذي كتبه العالم المصري الأزهري رفاعة رافع الطهطاوي قبل أقل من مئتي عاماً حين ابتعثه محمد علي باشا عام 1826 مع وفد من الطلاب المصريين إلى باريس، عاصمة النور الفرنسية. في هذا الكتاب، و على مدى خمسة أعوام، قام الطهطاوي برسم صورة رائعة للمجتمع الفرنسي في ذاك الزمن، طعامهم، شرابهم، عاداتهم، نقلهم للمياه، استعمالهم للبريد، قراءتهم للصحف في المقاهي.

رفاعة رافع الطهطاوي

نوع آخر أحب قراءته هو المذكرات الشخصية التي كتبتها شخصية عاشت منذ زمن طويل، معروفة كانت أم مجهولة، رجلاً أم امرأة، ابنة ديني و ثقافتي أم ابنة دين آخر و ثقافة مختلفة. أعشق فكرة أن أحد بني البشر قد جلس في غرفته قبل عشرات أو مئات السنين ليكتب كلاماً خاصاً، ربما كتب مشاعره تجاه أحد أفراد أسرته، أو أبدى رأيه في عادة من عادات مجتمعه. قد يكتب ما يشاء أن يكتب لكن الجميل هو أنني أجلس في بيتي بعد مئات السنين لأقرأ ما كتبه، كلام غير رسمي، غير صادر عن إعلام الدولة، غير مكتوب في مقال صحفي. خذ مثالاً المذكرات الشخصية التي تم نشرها مؤخراً للملكة فيكتوريا، ملكة بريطانيا لثلاثة و ستين عاماً في القرن التاسع عشر و عام واحد فقط في القرن العشرين. مذكرات بدأت كتابتها عام 1832 قبل أن تصبح ملكة و انتهت بوفاتها عام 1901. تسعة و ستون عاماً من المذكرات المكتوبة بخط يدها و التي سمحت لي شبكة الانترنت بتصفحها كما هي، كما كُتبت، حتى الرسومات التي رسمتها فيكتوريا، الكاتبة، على صفحات مذكراتها. (كانت المذكرات متاحة مجاناً حين نشرت قبل سبعة أشهر لكنها أصبحت الآن تتطلب اشتراكاً)

و هل يفوتني أن أذكر تصفح الجرائد القديمة المنشورة قبل عشرات بل مئات السنين؟ أنا أتحدث هنا عن تصفح تلك الجرائد بنفس صورتها التي طبعت عليها، و قد أتاحت لنا العديد من الجرائد تصفح أرشيفها و من بينها جريدة الأهرام المصرية التي نشرت على موقعها كل عدد طبعته منذ عددها الأول عام 1876، لتسمح لنا بسبر أغوار عشرات السنين من التاريخ العربي و العالمي من منظور عربي.

عشقي للتاريخ لا يتوقف عند الكلام المكتوب فقط، بل يتعداه إلى الصور القديمة، الصور التي قد تحمل في بعض الأحيان من الكلام ما قد يعجز عن قوله مجلد ضخم. قل لي مثلاً كيف تشعر حين ترى صورة لمدينة باريس عام 1838، صورة تظهر فيها بيوت و محال تلك المدينة الساحرة قبل ما يقارب المئتين من الأعوام. المثير في الصورة أن تقنية التصوير في ذاك الحين لم تسمح بالتقاط صور الأجسام المتحركة لأن مدة التعريض Exposure time كانت تمتد إلى عشر دقائق. لذا فإن الإنسان الوحيد الذي يظهر في تلك الصورة هو رجل وقف دون حراك أمام ملمع الأحذية كي يقوم بتلميع حذائه، و بذا أصبح أول إنسان يظهر في صورة فوتوغرافية في التاريخ، بسبب حذائه، أو قل بسبب اتساخ حذائه.

قد يكون لكل منا هواياته التي يحبها و ميوله الشخصية التي يعشقها و يلجأ إليها ليهرب من ضغوط الحياة و يشعر ببعض الراحة. أنا وجدت هوايتي في القراءة و عشقي في التاريخ. إن أراد أحد أن يهديني الهدية المثالية، فهي تتلخص في كلمتين: آلة زمن.

Boulevard du temple / 1838
  أول صورة لإنسان (في الربع السفلي على الشمال)



الجمعة، 28 ديسمبر، 2012

حلم ليلة في منتصف شتاء

(التدوينة رقم 28 في مشروع ال 31 تدوينة)


حلم ليلة في منتصف شتاء*

بيني و بين الكتاب علاقة غريبة. فأنا أحب أن أمسكه و أقلب صفحاته و أطالع كلماته ولفظاته و أتشرب بمعانيه و عبراته، و هو بالمقابل يبث من صفحاته سحراً غريباً يتسلل عبر أصابعي في كل أنحاء جسدي حتى يصل ذاك السحر المتسلل إلى عينيّ، فيغلقهما رويداً رويداً، ثم يبدأ رأسي بالتدلي إلى أسفل ببطء متثائب حتى أستسلم بكلي للنوم اللذيذ. و ما هي إلا لحظات قليلة حتى يبدأ أحد أحلامي الغريبة بالظهور، فأرى ما لا يمكن أن أراه في يقظتي. سأفترض أنني أقرأ كتاباً الآن و أضرب لكم مثلاً على ما قد يحدث معي في عالم الأحلام الغريب. 

أنا منهمك في قراءة كتاب ما، و في أوج انشغالي بدأ التثاؤب يتسلل إلى فمي و عيني رغم أنه لم يصل إلى قلبي السعيد بما يقرؤه. استسلمت للذة النوم و رأيت في المنام أموراً غريبة. وجدت نفسي في أرض معركة في أحد القرون السابقة. أبصرتُ من حسبته قائد الجيش يقترب مني متوجساً على ما يبدو من غرابة ملبسي. عاجلني بسؤال: "من أنت أيها الفتى؟" أجبته بجمل قصيرة متقطعة فيها من الكذب ما فيها، لأنني عرفت أنه لن يصدق حقيقة أنني قاريء كتاب مسافر بأحلامه في الزمان و المكان. أبدى القائد دون اكتراث تصديقه لما سقته من كذبات مغلفة، ثم ألقى إلي بسلاح و أومأ إلي كي أدخل أرض المعركة.

وقفت هنيهة، تارة أنظر إلى السلاح، و أخرى إلى وجه القائد الصارم. حينها تذكرت أنّ أم المعارك التي خضتها في حياتي هي مع فأر وجدته في الحمام، فانقلب استغرابي رعباً، و تحولت جملي الكاذبة إلى تلعثمات غير مفهومة. لكن القائد ما زال ينظر إلي نظرة واحدة و هي أنني جندي جديد في جيشه، فدفعني إلى أرض المعركة و هممت أن أرفع سلاحي لأعاجل به رأس أي جندي معادٍ، ففوجئتُ بسيف يهوي من أعلى متجهاً بما لا يثير أي شك صوب رأسي. أغمضت عينيّ منتظراً لحظة الوفاة، ثم فتحتهما لأجد نفسي في مقعدي الوثير مع كتابي المسلي. تنفست الصعداء و ابتسمت، ثم نظرتُ إلى الكتاب فرأيت اسمه "زاد الباحث في التاريخ" و قرأت في الصفحة المفتوحة فرأيت وصفاً لمعركة تاريخية قديمة، فضحكتُ و استبشرت أنه كان مجرد حلم.

قمتُ من مقعدي لأغسل وجهي بعد هذا الحلم، و ما أن اقتربت من باب الغرفة حتى قفز من وراء الستارة ذات القائد بذات الوجه الصارم حاملاً ذات السيف فوقعت من خوفي أرضاً. اقترب مني القائد بغضب واضعاً سيفه على رقبتي و قال: "لماذا هربتَ من أرض المعركة أيها الجندي؟ أتترك جيشك يواجه العدو وحده؟" تلعثمتُ و لم أدرِ ما أقول، و أردت أن أستمر بالكذب على هذا القائد لكنني أدركتُ أنني في مقام الضعيف الموشك على الهلاك، و رأيت أن طلب العفو هو الحل الأمثل، فاعتذرتُ و أبديتُ ندمي على سوء تصرفي و هروبي، و ألحقتُ اعتذاري تأكيداً على عدم نيتي العودة إلى ذاك الفعل، ثم ألحقتُ تأكيدي أيماناً مغلظة أنني سأقاتل ببسالة في المعارك القادمة مع ذاك الجيش الذي لا أدري عن أي بلد يدافع و عن أي أرض يذود.

بدا القائد غير مقتنع بما أقوله، و أيقنت أنه قاتلي لا محالة. قال لي: "لا طعم لاعتذاراتك بعد جرمك الكبير. سأسمح لك أن تذهب لتودع والديك و إخوتك ثم عد إلي لأفصل هذه عن تلك." و أشار بسيفه إلى رأسي ثم إلى عنقي. أخبرتُه أنني وحيد لا إخوة لي، و أن أهلي يعيشون في بلد آخر** و بدا أنّ آخر فرصة لتأجيل موتي قد تبخرت.

اقترب مني ببطء، ضاقت عيناه و برقتا فأيقنت أن لحظة المنية قد حانت، فأغمضت عيني و انكببت أدعو الله أن يغفر لي ذنوبي و أن يجعل موتي سريعاً لا ألم فيه.

فجأة سمعتُ صوت السيف يسقط على الأرض و صوت القائد يقول بصوت عالٍ: "لا إخوة لديك؟ أنت إذن معفيّ من التجنيد، و لدينا اليوم عرض خاص لأمثالك، طقم معالق و صحون للمطبخ بسعر خاص." فتحت عينيّ فإذا السيف قد انقلب حقيبة جلدية و لباس الحرب قد انقلب ملابس عصرية و القائد قد انقلب بائعاً سمجاً يحمل أطقماً من الصحون و المعالق الملونة و النظرة الصارمة المخيفة قد انقلبت ابتسامة بلهاء سخيفة.

"ما رأيك؟ صحون حمراء مزركشة مع معالق بيضاء مقلمة؟"

استيقظتُ فجأة و أدركت أنني كنت في حلم داخل حلم. نظرتُ إلى الكتاب الذي بين يدي فوجدته كتاباً للنكات اسمه "الخفيف في طرائف التاريخ".

أردت أن أقوم من مكاني لأغسل وجهي لكنني عدلت عن هذا، و بقيت في مقعدي واضعاً رأسي بين يديّ، ناظراً إلى الكتاب، متيقناً إما أنني بدأت أفقد عقلي، أو أنني فقدته منذ زمن و بدأت أدرك هذا الأمر الآن.

النهاية
(إفراج عن القاريء)

هوامش
* كل الاعتذار من الزميل القدير، ابن الوطن البار، الباحث عن لقمة عيشه، المطالب بمحاربة الفساد، وليم شكسبير، مؤلف مسرحية "حلم ليلة في منتصف صيف" و صاحب الدكانة في آخر الحارة.
** الواقع أن أهلي يعيشون في نفس بلدي، الأردن، و أنّ لديّ ثلاثة إخوة بطابيط.

الخميس، 27 ديسمبر، 2012

طرائف الرحالة هاشم

(التدوينة رقم 27 في مشروع ال 31 تدوينة)

سافرت مع أخي هاشم إلى لندن و باريس عام 2006.

وجودنا في باريس تصادف مع المباراة النهائية من بطولة كأس العالم لكرة القدم بين إيطاليا و فرنسا.

الشوارع فارغة. أنا و هاشم نتحرك بسرعة و ننزل إلى منطقة قطار الأنفاق لنستقله كي نشاهد المباراة في الفندق.
وصلنا إلى شباك التذاكر حيث يجلس الإنسان الوحيد الموجود حينها في منطقة قطار الأنفاق.
تخيلوا معي غرفة بيع التذاكر. بائع التذاكر يجلس وحيداً منتظراً نهائي كأس العالم الذي تلعب فيه بلده، أمامه تلفاز صغير، وجهه مدهون باللون الأزرق، لون منتخب فرنسا.
في واقع الحال، كانت كل المدينة مكتسية باللون الأزرق و جملة Allez les bleus و التي تعني "هيا أيها الزُرق".

بعد أن اشترينا التذاكر، شكرنا الرجل، و قرر أخي هاشم أن يضيف جملة باللغة الفرنسية التي لا يتقنها فقال للرجل: "Allez la bla" بدلاً من "Allez les bleus".

نظر الرجل إلى أخي باستغراب، و كذلك فعلت أنا.




***

أثناء تجوالنا في لندن دخلنا إلى حمام عام. 

بعد أن قمنا بغسل أيدينا، توجه هاشم إلى آلة تجفيف اليدين و ضغط عليها ثم وضع يديه تحتها.
لم يخرج هواء من الآلة.
ضغط مرة ثانية.
و ثالثة.
لا شيء.
اقترب أحد الشباب من آلة تجفيف الهواء، حملها تحت إبطه و غادر الحمام.
نعم، غادر الحمام حاملاً "خوذة الدراجة النارية" التي كان أخي هاشم يضغط عليها منتظراً خروج الهواء.

ضحكنا كثيراً في ذاك اليوم.


***

اكتشفت في تلك الرحلة صفات غريبة في أخي هاشم.
إنسان غريب، مميز، لطيف و مضحك.

الأربعاء، 26 ديسمبر، 2012

أبي و الحلاق و أنا

(التدوينة  رقم 26 في مشروع ال 31 تدوينة)

يدرك المرء أنه تقدم في العمر إذا بدأ إحدى قصصه ب "قبل أكثر من عشرين عاماً".
أنا أبلغ من العمر الآن ثلاثين عاماً و الحمد لله.

***

قبل أكثر من عشرين عاماً، كان أبي يأخذني معه إلى الحلاق. حفاظاً على الخصوصية لن أذكر اسم الحلاق و مساعده. سأسميهم في قصتي سامر (الحلاق) و وائل (مساعده). اسم صالون الحلاقة كان على اسم صاحبه، صالون "سامر".

كان مساعد الحلاق "وائل" يضع لي لوحاً خشبياً بشكل عرضي مرتكزٍ على يدي كرسي الحلاقة لأجلس عليه كي يصل رأسي إلى مستوى يعلو رأس الكرسي لتسهيل الحلاقة.

حين يحين دور أبي في الحلاقة، كنت أجلس في مقعد الانتظار و أشاهد الحلاق "سامر" و هو يحلق شعر أبي. بعد أن ينهي حلاقة شعر رأسه كنت أشاهد مشهداً غريباً يتكرر في كل مرة. مشهد لم أجد له تفسيراً إلا بعد سنين.

كان الحلاق يُدني وجهه حتى يصبح على مسافة أصابع قليلة من وجه أبي العزيز، يكاد يلمسه. ثم يبتسم الحلاق ابتسامة صفراء تظهر معها أسنانه و يرفع يديه الاثنتين في الهواء على كلتا جهتي رأسه مطبقاً السبابة على الإبهام في كل منهما، ثم يبدأ بتحريك رأسه إلى الأمام و الخلف و يحرك يديه بشكل معاكس، و أبي جالس لا يقول شيئاً. يستمر الحلاق بتحريك رأسه و يديه أمام وجه أبي محتفظاً بذات الابتسامة الصفراء و الأسنان الظاهرة، و يستمر أبي في صمته و نظره إلى الأمام.

معضلتي في ذاك الحين كانت السبب الذي يدفع هذا الحلاق الذي كنت أحسبه لطيفاً إلى السخرية من أبي بهذا الشكل. و السؤال الذي حيرني أكثر هو لماذا يجلس أبي، صاحب الشخصية القوية، لماذا يجلس دون أن يرد على هذا الحلاق المتطاول و يعلمه الأدب؟

مرت سنون و دخلت سن المراهقة المزعج و بدأت أميل إلى الذهاب إلى صالونات حلاقة شبابية، و هجرت حلاق الرجال الذي كنت أذهب إليه مع أبي. مرت سنون أخرى و أخذت رخصة قيادة السيارة و أصبحت أمر أمام صالون "سامر" بين الحين و الآخر، أنظر إلى لوحة المحل من الخارج "صالون سامر" و ألقي نظرة خاطفة داخل المحل فأرى سامر و وائل كما هما، على مدى أكثر من عشرين عاماً لم يغيرا شكل محلهما و ما زالا يعملان كعادتهما، حتى أن شكلهما لم يتغير.

كنت أَعِدُ نفسي في كل مرة أمر فيها أن أدخل يوماً و أسلم عليهما بعد هذه السنين الطويلة و أحلق شعري، فقد كبرت و تخرجت من الجامعة و أصبحت أقود سيارتي و لم أعد أهتم بكون الحلاق للشباب أم للرجال. بل كان لدي حنين لهذا الحلاق و صالونه اللذين يرمزان لطفولتي و بساطتها. 

قمت بتأجيل الحلاقة عنده على مدى سنين أكثر من مرة حتى مررت قبل مدة قصيرة أمام صالونه فرأيت لوحة جديدة مكتوب عليها "صالون وائل". نظرت في الداخل، رأيت وائل و لم أرى سامر. لا أدري أين ذهب سامر، و لكنني أشعر بتأنيب الضمير لأنني لم أدفع نفسي في يوم من الأيام إلى النزول و السلام عليه قبل أن يترك الصالون و يختفي اسمه من لوحة الصالون.

نسيت أن أذكر سر "سخرية" سامر من أبي، أو كذلك كنت أظنه يفعل. اكتشفت مع مرور السنين و ولوجي سن المراهقة و خروجي منها اختراعاً يستعمله الحلاقون لحلاقة شعر الوجه، ألا و هو الخيط. تبين أن سامر كان يضع الخيط في فمه و يطبق عليه كما لو كان مبتسماً، و يمسك طرفيه بيديه ثم يستعمله لحلاقة شعر وجه أبي. أنا كطفل صغير كنت أرى حركات اليدين و تعبيرات الوجه و لم أكن أرى الخيط نفسه.

لماذا نؤجل كل ما نريد فعله حتى يفوت الأوان ثم نندم حين نكتشف نتيجة تأجيلنا؟
و لماذا نسيء الظن بالناس؟ أيكفي أن نرى ما نظنه "سوء" تصرف كي نحكم على الفعل و صاحبه؟

الثلاثاء، 25 ديسمبر، 2012

هاري بوتر و سر الأزعر الأشقر

(التدوينة رقم 25 في مشروع ال 31 تدوينة)

مصطلحات
الأزعر: هو مصطلح في الثقافة الأردنية، و يرمز للشخص إذا عشق المشاكل و بحث عنها و عُرِف عنه ذاك الطبع.

القصة
وقت الغروب هو الوقت المفضل لدى هاري بوتر، ابن عشيرة البواترة الأردنية العريقة، للجلوس وحيداً متأملاً في وجوه المارين في الشوارع و إلقاء التعليقات السمجة. لم يدر في بال هذا الفتى أنّ أحداث يومه ستتسارع فجأة.

هل ذكرتُ أنّ هاري هو ساحر و خريج من مدرسة هوجوارتس الثانوية للبنين لتعليم السحر و الخياطة؟ نعم، أو كان على وشك أن يتخرج لو أنه لم ينسحب من المدرسة ليجرب حظه في عالم الأعمال الحرة.

عودة إلى صديقنا و جلسته المتأملة التي لم تدم طويلاً.

"هاري، هاري."
"رون؟ ما بالك؟"
"أرِ الشباب جرحك."

ابتسم هاري ابتسامة خفية ثم أطرق برأسه صوب الشباب الواقفين خلف رون، أبدى ممانعة مصطنعة سرعان ما أعقبها بموافقة على طلب صديقه ذي الشعر الأحمر. وضع هاري يده الشمال على جبينه و مسح بها إلى الأعلى رافعاً مقدمة شعره ليكشف عن جرح صغير على شكل صاعقة.
ذُهِل الشباب.

"أُصِبتُ بها و أنا أعارك خمسة شباب في حارتي القديمة، لوحدي، و كانوا مسلحين."
صُعِق الشباب.

"طبعاً الجرح ليس بسبب ضربة تلقيتها، فقد فتكت بهؤلاء الشباب بمفردي، لكن بعد أن ضربتهم استللت سكيني و ضربت نفسي بها ثم ذهبت أشكوهم في قسم الشرطة. أردت أن أتغدى بهم قبل أن يتعشوا بي."
"نعم، هاري هو ملك الخداع في عالم السحرة "، أضاف رون، فخوراً بزميله.
"لا تبالغ يا رون، أنا مجرد إنسان بسيط من أبناء هذا الوطن الجميل." قالها هاري دون اقتناع، و دون أن يحاول إخفاء عدم اقتناعه.

"فعلاً بسيط. أسمعتم ماقاله هذا الصعلوك المدعو هاري؟"
نظر هاري و رون سريعاً إلى مصدر الصوت فوجدوا فتى أشقر ينظر إليهم بتحدٍّ و معه فتيان ضخمان.
اقترب الفتى الأشقر منهم و قال:
"أسمعتَ ما قلتُه يا هاري؟ السمّ ال"هاري" إن شاء الله."

رد رون سريعاً: "دريكو؟ ماذا تفعل في حارتنا. أنت تعلم أن الشرطة منعتك من الدخول إليها."
عاجله هاري بالسؤال: "من هذا الدريكو؟"
رد الفتى الأشقر متحدياً و ساخراً: "مالفوي. احفظ اسم سيدك يا صعلوك. دريكو مالفوي."

ابتسم هاري ابتسامة توحي أنه أوقع غريمه في فخ، ثم رد بصوت خافت لا يخلو من تحدٍّ و استهزاء مماثلين:
"مال-فوي؟ أم مال-أهلك؟"

يبدو أن هاري قد استثار دريكو بما فيه الكفاية لينتفض الفتى الأشقر و يخرج عصا سحرية من جيب الجينز الخلفي و يشير بها إلى هاري. عاجله هاري بنفس الحركة.

يبدو أن الموقف قد احتدم، دريكو من جهة يحمل عصاه من نوع "فساديا" المصنوعة من ريش طائر دودو أرمل، هاري من الجهة الأخرى يحمل عصاه "زوبا" المصنوعة من شعر حصان عاشق.

رفع دريكو عصاه و قال: "كوتوموتو كوتوموتو... الآن أريد أن يموتوا".
ما هي إلا لحظات حتى خرج من عصاه السحرية عملاق يتجاوز طوله الخمسة أمتار و عرضه الثلاثة أمتار. كان العملاق "كوتوموتو" ممسكاً في يده مفكاً طويلاً و يلوّح به و هو يمشي ببطء باتجاه هاري.

توتر هاري للحظة ثم تمالك أعصابه و رفع عصاه و صاح:
"بنادول و فولتارين... للصداع علاج و للألم تسكين."
فجأة، ظهر من لاشيء كائنان طويلان يقفان أمام هاري، "بنادول" و "فولتارين". كانا ملتصقين من جهة الظهر ببعضهما البعض. أخذا يتحركان بشكل جانبي باتجاه دريكو و صديقيه و وحشه "كوتوموتو".

بعد لحظات حدث ما لم يكن ببال أي من السحرة. أخذت الوحوش تتعانق و تربت على ظهور بعضها البعض و تتحدث و تضحك، ثم استداروا نحو السحرة المتقاتلين و شرحوا لهم الموضوع.

بدأ كوتوموتو الشرح: "كنا زملاء، بل أصدقاء أعزاء في مدرسة الوحوش."
ثم دخل بنادول و فولتارين على الخط و قالا بصوت واحد: "و للأسف تفرقنا بعد المدرسة و ذهب كل منا في طريق."
أكمل كوتوموتو: "و في طريق كسب العيش الشاق، فقد انتهى بنا المطاف في عصيكم."

"كنت أظن أن الوحوش المختبئة موجودة فقط في كرات البوكيمون لا في العصي السحرية؟" تساءل رون بكل بساطة.
أجابه هاري: "للأسف فإن صعوبة الأحوال المادية أدت إلى عقد اتفاق بين شركة الوحوش البوكيمونية و مدرسة هوجوارتس الثانوية لإيواء الوحوش المشردة في العصي السحرية مقابل أن يصوت موظفو شركة الوحوش البوكيمونية لمدير المدرسة، الحج دمبلدور، في الانتخابات النيابية."

عاود كوتوموتو الحديث: "لكن الآن بعد أن التقينا فإننا لن نتعارك، و لن نسمح لكم بالتعارك كذلك. أنا أدعوكم جميعاً على الغداء."

في نهاية المطاف، جلس الجميع سعيدين يأكلون الفول و الطعمية و يتبادلون النكات عن أيام المدرسة.

العبرة
هذه القصة السطحية عصية على أكبر فيلسوف، فلا يمكن أن تستنتج منها أي عبر. أنصحك بتناول الفول و الطعمية لعلاج أي اكتئاب أصابك بعد قراءتها.

الاثنين، 24 ديسمبر، 2012

اصمت و أنصت

(التدوينة رقم 24 في مشروع ال 31 تدوينة)

الاستماع إلى جلسات TED ينعش الحواس، يفتح الذهن، يحرك الأفكار و هو ببساطة مسلِ.

حب مساعدة الناس هي صفة رائعة، إن وجدتها في نفسك فعليك بتنميتها، و إن لم تجدها فعليك بإيجادها.

الأساس أن تستمع إلى الناس و احتياجاتهم و رغباتهم ثم تساعدهم على تحقيقها. لا تعامل الآخرين كأنك السيد الذي جاء ليحقق لهم ما يراه هو مناسباً، حتى لو كانت نيتك سليمة. ما تراه مناسباً قد لا يكون مناسباً لهم.

أهم شيء هو الرغبة لدى الإنسان لينمو و ينجح. فكرتك الجيدة لن تنجح مع شخص لا يريد تحقيقها. فكرته الجيدة ستنجح إن ساعدته.

اجلس مع الناس في أي مكان مريح، في المقهى، في بيوتهم، أغلق جهاز الكلام المسمى "الفم" و شغّل جهاز الإنصات المسمى "الأذن". 
انظر جيداً إلى الشخص الجالس أمامك و اسأل نفسك:
ماذا يريد هذا الإنسان فعلاً؟
كيف يمكنني أن أساعده لتحقيق أهدافه؟

صديقي أرسل لي هذه الكلمة من TED. 

كلام جميل و يدخل العقل، أسلوب مسلٍ، و لهجة إيطالية مضحكة.
استمتعوا.




الأحد، 23 ديسمبر، 2012

قفزة المانجا

(التدوينة رقم 23 في مشروع ال 31 تدوينة)

في تدوينتي السابقة ذكرت المانجا و القفز في البحر.

من حق الإنسان الطبيعي أن يتساءل عن هذا الموضوع. الشرح بسيط.

هل تذكرون فايد؟
جميل.
هل تذكرون أنني أخبرتكم عن حبي للمانجا؟
ممتاز.

يكفي أن أخبركم أنني و أفراد أسرتي نتشارك نفس العشق للمانجا.

تم تعريفكم بالمكان، العنصر الرئيسي، الشخوص. بقيت القصة.

إليكم تصوير المشهد.

مرحلة الإعداد...
مجموعة من الشباب الأشاوس، يرتدون ملابس البحر، يجلسون بصمت و وقار أمام حبات المانجا السحرية، في يد كل منهم سلاحه السحري، السكين.

عد تنازلي...
لحظة الصفر..
هجوم المانجا...

أشجعهم يقطعها بشكل طولي، أقواهم يقطعها بشكل عرضي، أسرعهم يقطعها بيديه.
قطرات متطايرة، قشور متساقطة، أفواه فاغرة، بطون جائعة.

مرحلة التأهب و الهجوم...
شحذ الأسنان، تجهيز مجسات الفرح، تشغيل حاسة التذوق، العيون تضيق، لحظة الصفر تقترب.

هجووووووووووووووووووووووووووووووم...

مشهد مخيف و سريع... تتطاير الأشلاء و القطرات في كل مكان... لا أحد يجرؤ على التدخل لوقف المعركة...

لحظات و دقائق سريعة تمر... أبطالنا الشجعان يجلسون مترنحين بعد إنهاء المهمة.... وجوههم و أجسادهم ملطخة بالمانجا الرائعة... يلعقون أصابعهم في فرح...

مرحلة  التنظيف....
مرحلة بسيطة... لا تفاصيل... لا تعقيدات....
نظرات سريعة متبادلة بين المحاربين الناجين من المعركة... لسان حالهم يقول "لماذا تغسل المانجا في الحمام و البحر أمامك؟"
إنه الحل الأمثل: القفز في البحر. دع البحر يستمتع بآخر قطرات المانجا. شارك البحر عشقك لهذه الفاكهة العجيبة.
الباقي عندكم.

آه كم أعشق المانجا.
هذه التدوينة برعاية قسم الهلوسة في عقلي، حيث المشاعر العشوائية تطغى على الأسلوب الأدبي.

السبت، 22 ديسمبر، 2012

أشياء أحبها... بحرف الميم...

(التدوينة رقم 22 في مشروع ال 31 تدوينة)

مصر... (المصريون... النيل...الفلوكة... التفاؤل... البساطة... الفكاهة...)


مانجا... (طعم من عالم آخر... الشكل و اللون... متعة التقطيع... طرق التقطيع... القفز في البحر للاغتسال بعد أكل المانجا...)


منسف... (الطعم... التجمع حول المنسف... الأكل باليد... مسابقات حفر الخنادق و البقاء الأطول)




مجلة ميكي... (ميكي... بندق... بطوط.. عم دهب... مدينة البط... قرش الحظ...)


ملعب كرة المضرب... (متعة الرياضة... التنافس المسلي... القفز فوق الشبكة بعد النصر... الكرات المسددة بإتقان و المتبادلة لمدة طويلة...)



الجمعة، 21 ديسمبر، 2012

كنكنة شتوية

(التدوينة رقم 21 في مشروع ال 31 تدوينة)

لدي نظرة متفائلة قد تحرق أعصاب الكثير من كارهي التفاؤل "المفرط" حسب اعتقادهم، أصحاب "الواقعية" المفرطة إلى حد "التشاؤم" حسب اعتقادي.

أنا ببساطة أحب الشتاء و "كنكنته"، أعشق الصيف و "نشاطه"، أهوى النهار و "حيويته"، أسعد بالليل و "راحته".

الشتاء، قطرات المطر الكبيرة، حبات الثلج الناعمة، الملابس الشتوية الثقيلة بألوانها الدافئة، المشروبات الساخنة و رائحتها، الإمساك بالكوب بكلتا اليدين للإحساس بدفئه.

الصيف، الملابس الخفيفة المريحة، الانطلاق و اللعب، السباحة و الضحك، المشروبات الصيفية المنعشة، الشعور بدفء الشمس و أشعتها الذهبية.

بعض الناس يعيش سعيداً في أي وقت و أي مكان.
البعض الآخر يعيش متذمراً، كذلك في أي وقت و أي مكان.

اختر فريقك.
خير الكلام ما قل و دل. كل عام و أنتم بخير.



الخميس، 20 ديسمبر، 2012

فضح الخبايا في علم المايا

(التدوينة رقم 20 في مشروع ال 31 تدوينة)

بما أنّ الناس يتناقلون أسطورة تنبؤ المايا بانتهاء العالم غداً، لا ضير من نشر بعض الفضائح الشخصية.

*** بداية القصة الرائعة ***
في صغري، قبل أن يغادر أبي و أمي البيت، كنت أقف عند باب البيت و يحدث الحوار التالي.

ساري: "مامااااااا، باااااااي".
ماما: "باي".

أبي و أمي يمشيان خطوتين خارج باب البيت باتجاه باب العمارة.

ساري: "ماماااااااا، بايبايين" (يعني باي و باي)
ماما: "بايبايين".

أبي و أمي يمشيان بشكل أسرع نحو باب العمارة.

ساري: "ماماااااااا، ثلاث بايبايات."
ماما:" باي".
ساري: "لاااااااااااااااااااااااااااااااا ثلاث بايبايات".
ماما (الصبر جميل) : "ثلاث بايبايات".

أبي و أمي يخرجان بسرعة البرق من العمارة هرباً من الحوار العجيب.
ساري يعود داخل البيت مرتاحاً بعد أن أنهى بروتوكولات الوداع بنجاح رغم التعثر في المرحلة الثالثة من الوداع.
*** نهاية القصة الرائعة ***

إن لم تأتِ نهاية العالم غداً، سيكون لي موقف من المايا، شعباً و حضارةً و علماً و تنبؤاً و ثقافةً و أسطورةً، و لا أدري ما الذي سيحدث إن قابلت أي شخص من عشائر بني مايا.


الأربعاء، 19 ديسمبر، 2012

كرة المضرب: اللعبة الجميلة



(التدوينة رقم 19 في مشروع ال 31 تدوينة)

يمين. شمال. يمين. فوق. شمال. يمين. تصفيق. احتفال. عناق.

قارئي العزيز،
لا تُتعب نفسك في تحليل الجملة السابقة.
هذه الكلمات العشوائية، أو كذلك تبدو لقارئها عند الوهلة الأولى، هي تصوير لحركة رأس الجمهور و هو يشاهد آخر نقطة من مباراة في الرياضة التي سنتحدث عنها اليوم، الكرة الصفراء، كرة المضرب، التنس الأرضي.

يا سلام، كم أحب هذه الرياضة.

قارئي العزيز،
تأمل الصورة أعلاه، تخيل نفسك في هذا الملعب الجميل، ثم اسمع مني عن هذه الرياضة الجميلة.

اسمع مني أولاً عن سر جمال هذه الرياضة.

رياضة يستطيع الناس من جميع الأعمار أن يلعبوها.

لا تعجب إن رأيت طفلاً في الرابعة من عمره يمسك المضرب و يركض به يمنة و يسرة وراء الكرات الصفراء الجميلة، يضربها و هو سعيد ثم ينتظر عودتها إليه، يبدي مظاهر الجدية و هو يلعب، قد يعرق و يمسح عرقه، تماماً كما يفعل الرجال، مثل أبيه، حين يتعبون.

قد ترى الشاب الثلاثيني يلعبها بكل حماس، يضرب الكرة بكل قوته و يراقبها بنظره و هي تنطلق كالنسر إذا حلق على ارتفاع منخفض ثم تنقض على فريسة خفية في ملعب خصمه، يتأهب لعودتها إليه قوية كما أرسلها أو مرتفعة في السماء كالنسر كذلك ثم هاوية من أعلى.

من المشاهد الجميلة التي يمكن أن تراها كذلك مشهد رجلين أو أربع رجال طاعنين في العمر، تجاوزوا الثمانين، يقفون في الملعب الأخضر (أو الرملي) بملابس و أحذية رياضية بيضاء تعكس شباب روحهم، يرسلون الكرات القوية بدقة شديدة إلى بعضهم البعض، دقة اكتسبوها على مدى عمرهم تسمح لهم بتبادل الكرات دون الحاجة إلى الركض لمسافات طويلة. مع الكرات المحكمة التسديد يتبادلون نكات مضحكة و تعليقات تنافسية رائعة. إنها الروح الجميلة التي تخلقها تلك الرياضة البديعة.

لا يوجد من هو كبير على ممارسة هذه اللعبة، لا يوجد من هو صغير على عشق هذه الرياضة.

في هذه الرياضة لا مجال للشجار، لا مجال للاشتباك. قد يغضب اللاعب، قد يتذمر، لكن هذا أقصى ما يمكن أن يفعله. نهاية المباراة فيها سلام أو عناق بين الخصمين.

ثم اسمع مني عن علاقتي الخاصة بها.

كرة المضرب هي الرياضة المعتمدة عند الفرع المصري من أسرتي.

اعتدت على مدى سني عمري أن أجلس مع أسرتي عند منطقة ملاعب كرة المضرب في نادي هليوبوليس في القاهرة. نتابع الصواريخ الصفراء، نتناول الغداء، قد يكون أحد أفراد الأسرة في الملعب و قد لا يكون. نشاهد كرة المضرب لجمالها.

أذكر في صغري ذهابي مع أبناء خالتي في مصر إلى النادي ليلاً لأتابعهم و هم يتدربون مع مدرب و مجموعة من الفتيان و الفتيات الصغار على كرة المضرب. ملابس اللعبة بيضاء و جميلة.

كما أذكر في صغري ذهابي مع إخوتي إلى نادي السيارات في الأردن للتدرب كذلك على ذات الرياضة. عندما كبرت، عاودت التدريب مع أخي هاشم لكن في المدينة الرياضية في عمّان، في السادسة صباحاً، قبل ذهابي إلى العمل!

ما زالت جدتي الحبيبة، الحجة نانا، تستعمل مصطلحات كرة المضرب لترمز لأشياء في حياتنا لا علاقة لها بهذه الرياضة. إن أرادت أن تطلب مني تمرير صحن الملوخية لها، تقول: "إدّيني الملوخية على الباك هاند". الباك هاند Backhand لمن لا يعرف هو من أساليب ضرب الكرة في كرة المضرب.

أحب كرة المضرب لما تثيره في نفسي من حنين إلى ماضٍ جميل مع أسرتي، أعشقها لما تحدثه في روحي من انتعاش حين أمارسها، أبتسم حين أتخيل نفسي و أنا أمارسها مستقبلاً.

الرياضة الحقيقية هي التي تنعش الجسد و الروح معاً.

الثلاثاء، 18 ديسمبر، 2012

جرد حساب لخطي التدويني

(التدوينة رقم 18 في مشروع ال 31 تدوينة)


على الجانب الآخر، فإنني تجنبت على الدوام الكلام في بعض الأمور الأكثر إثارة للخلاف، مثل الأمور السياسية الدائرة حالياً في الأردن و مصر.

هل هو عدم الرغبة في الخوض في جدالات طويلة و ربما عقيمة عند مرحلة معينة؟ هل هو الخوف من أن يثبت أحد أن وجهة نظري خاطئة؟

لا أدري، ربما.

من جهة أخرى، فإنني أميل كثيراً إلى الكتابة الأدبية أكثر من تلك التي تتناول بأسلوب توثيقي الأحداث المعاصرة. لكنني أعرف أن الكاتب لا يجب أن يكون منفصلاً عن واقعه، و أنه يجب أن يعرف متى عليه أن يخرج عن خطه الأدبي ليتناول قضية مهمة لا يجب التجاوز عنها.

موضوع آخر لم أكتب عنه حتى الآن هو المواضيع الدينية. أعتقد أن السبب هو أنني أشعر أن المواضيع الدينية قد تم تناولها بشكل واسع عند الكثير من الكُتّاب، و أنني عندما أقرر أن أتحدث عن موضوع ديني فإنني يجب أن أتناوله بشكل مبتكر كي يترك أثراً عند قارئه و يحرك شيئاً في قلبه.

هذه التدوينة هي بمثابة جرد حساب لخطي الأدبي و التدويني في السابق، للنواقص لدي، لرغباتي الكتابية المستقبلية.

أنا أفكر بصوت عالٍ، و أنتم تقرؤون أفكاري. غريب.

ما أجمل الكتابة! أسلوب رائع للتعبير عن كل مكنونات النفس.

الاثنين، 17 ديسمبر، 2012

جفاف الأفكار Writer's block

(التدوينة رقم 17 في مشروع ال 31 تدوينة)

تحدثت يوم أمس عن كون الفكرة هي أصعب ما يواجه الكاتب الذي يجلس أمام أوراقه أو جهازه ليكتب.

أحببت أن أشير إلى مصطلح هو Writer's block، و هو الحالة التي يمر بها الكاتب و هو يبحث عن الفكرة التي يمكن أن يبدأ بها كتابته، فيجد نفسه عالقاً أمام صفحة بيضاء لمدة طويلة.

فكرت لبعض الوقت في ترجمة قصيرة (كلمتين) مناسبة لهذا المصطلح لكن لم أهتدِ إلى واحدة. أرجو المساعدة. أريد ترجمة توحي أن المشكلة متعلقة بالكاتب بالذات و بمشكلة انقطاع إلهام الكتابة. سأسميه مؤقتاً "جفاف الأفكار" إلى أن أجد ترجمة مناسبة له.


قرأت على الانترنت عن هذا الموضوع و وجدت أن بعض الكتاب المشهورين كانوا يعانون منه.


مثلاً، تنسب هذه الصفحة

http://grammar.about.com/od/yourwriting/a/wblockquotes.htm
إلى ارنست هيمنجواي قوله إن أكثر ما يخاف منه هو "الورقة الفارغة". كما تنسب إلى ستيفن كنج قوله: "أكثر اللحظات رعباً هي دوماً تلك التي تسبق الكتابة. بعد ذلك يمكن للأمور أن تتحسن فقط."

الآن أشعر أنني على الطريق الصحيح.

خير إن شاء الله.


لحظة، بعد المزيد من البحث وجدت كتاباً ينتقدون جفاف الأفكار (Writer's block).

توجد مقولة منسوبة إلى جياندو سيجوراني (اسم جديد عليّ) يقول فيها: "جفاف الأفكار Writer's block هو حجة من لا يكتبون لمجرد الكتابة".

كاتبة أخرى لا أعرفها* اسمها سيريز كوفيلي تقول: "جفاف الأفكار Writer's block غير موجود. قلة الخيال موجودة".

ما يهمني في الموضوع هو أن أتعامل معها على أنها حالة مؤقتة، أن أعرف أن غيري قد مروا بها و تجاوزوها.

قد يشعر القاريء أن في تشبيه ما أمر به بذاك الذي مر به كُتّاب كبار نوع من تضخيم الذات، لكن القصد هو الاعتبار بالحالة و علاجها لا التشبه بالشخص و قدراته.

مرة أخرى، خير إن شاء الله.

* أنا لست صاحب دراية واسعة بأسماء الكتاب المختلفين، لكن يمكنني تمييز بعض الأسماء الشهيرة التي يعرفها أغلب الناس.

الأحد، 16 ديسمبر، 2012

كيف يأتي إلهام الكتابة؟

(التدوينة رقم 16 في مشروع ال 31 تدوينة)

تجلس لتكتب، تفرغ رأسك من كل شيء عدا الكتابة، تجهز قلمك و أوراقك، أو لوحة مفاتيحك و شاشتك، تشحذ فكرك و تبدأ.

لا شيء. قحط فكري.

كيف يبدأ الكاتب عملية الكتابة؟ كيف تأتي الشرارة، الفكرة؟

لعل القاريء العزيز يعلم أن أصعب ما في الكتابة هو الفكرة. إن جاءت الفكرة، كل ما بعد ذلك يأتي بشكل تلقائي.

مرة أخرى، كيف تأتي الفكرة؟

ربما من تجارب سابقة مر بها الكاتب؟ كتب قرأها في الماضي؟ قصص تراثية سمعها من جدته؟ مخلوقات فضائية خطفته و أخبرته عن أسرارها؟

ربما من أحداث معاصرة؟ سياسة؟ حروب؟ مشاكل اجتماعية و اقتصادية؟

هل يمكن أن يكون الحل هو أن يبدأ بالكتابة دون أي فكرة كالسائر على غير هدى يتحسس طريقه؟ هل يجب أن يكتب و يكتب و يكتب حتى يجد نفسه دون سابق تخطيط يكتب عن فكرة معينة فيسترسل فيها؟

الأسئلة كثيرة. القاريء في حيرة. الكاتب في حيرة.

هل سينتهي الكاتب إلى كتابة موضوع أو مقالة أو قصة تعجب قارئه؟ الأهم من ذلك، هل ستعجب الكاتب نفسه؟

بعيداً عن الفلسفة و التنظير، كتبتُ هذه التدوينة لأنني مصاب حالياً بقحط فكري و أحتاج إلى نشر تدوينة قبل منتصف الليل.

الساعة الآن 11:58 مساء.

الطبيب يحتاج إلى بعضٍ من دوائه.