StatCounter

الاثنين، 23 ديسمبر، 2013

البطة الغاضبة في أعماق قلبي

ما أزال أذكر ذاك اليوم، مر عشرون عاماً أو أكثر بقليل على أحداثه التي لا أنساها.

كنت ألعب مع ابن خالتي في بيتنا بمصر، و بطبيعة الحال انقلب اللعب مناكفة و تحولت المناكفة إلى مجادلة و انتهت المجادلة بمطاردة انتهت بنجاتي من ابن خالتي و إغلاقي الباب خلفي. أسندت ظهري إلى الباب و أطلقت العنان لأنفاسي المتلاهثة السعيدة.

لا أذكر الآن سبب تحول اللعب إلى مناكفة، لكن الأرجح أنني استفززته بإحدى أساليبي المبتكرة في تحويل البشوش الهاديء الحليم إلى بركان ثائر عظيم.

طرق أسماعي صوت ابن خالتي من الجهة المقابلة يناديني:
"افتح الباب!"

ضحكت من قلبي و أجبت باستحالة ذلك.

مرت لحظات ثم عاد صوته:
"معي مجلد ميكي. افتح الباب و إلا سأمزقه".

ارتجّ قلبي، ثم تمالكت أعصابي و اصطنعت السخرية من كلامه: "لن أفتح".
كنت واثقاً أنه لن يمزقه.

مرت لحظات أخرى ثم سمعت صوت أوراق تتمزق، تكرر الصوت مرة تلو الأخرى.

انشرخ قلبي شرخاً عميقاً، ثم تمالكت ما بقي من أعصابي و أقنعت نفسي أنه لا يمكن أن يكون قد مزق "مجّلد ميكي". مهما بلغت الخصومة و مهما اشتعل الغضب، فإن إمكانية تمزيق "مجلّد ميكي" بعيدة جداً عن البال.

هدأت و اقتنعت أنه مزق جريدة ليخيفني. طأطأت رأسي إلى أسفل لألتقط أنفاسي التي انقطعت في لحظة فزع. فجأة، عبر عقب الباب ومن بين قدمي دفع ابن خالتي الأوراق التي مزقها. لقد فعلها، لقد مزق "مجلد ميكي".

تحطم قلبي قطعاً صغيرة. هوت القطع و هويتُ معها أرضاً.

تمزق مصدر المعلومات الأول لدي. اختفى المرجع المعتمد لكل معلوماتي الأدبية و الاجتماعية و الرياضية و الفكاهية و السياسية و الاقتصادية. ذهب أغلى ما لدي.

أمسكت الأوراق الممزقة لأتأكد، و رأيت ما لم أره من قبل: صور قصص ميكي مختلطة بصور قصص بطوط. إنها السريالية في أقصى و أقسى صورها.

توقفت عن جمع الأوراق و جلست منهاراً خلف الباب أسمع صوت ابن خالتي يحتفل بانتصاره في معركة ما كان يجب أن تنتهي بهذا الشكل. مر باقي اليوم ثقيلاً، ثم مرت الأيام و نسيت الموضوع.

كنت دائماً و مازلت أحب ابن خالتي. اعتدنا عندما يزورنا في الأردن أن يحضر لنا هدايا جميلة. أنا كبير الآن و لقد سامحته على ذاك اليوم، سامحته لأنه ابن خالتي، سامحته لأنه صديقي، سامحته.

أعتقد أنني سامحته.

لكنني أخشى أن تكون في مكان ما في أعماق قلبي بطة عجوز وحيدة تجلس على كرسي خشبي كبير أمام مدفأة حجرية مشتعلة، بطة وحيدة و غاضبة، اسمها عم دهب، و في عينيها بريق الانتقام الذي لم ينطفيء من عشرين عاماً.

***

* تنويه ضروري لحفظ العلاقات الأسرية:
ابن خالتي شخصية طيبة، و أي محاولة في النص السابق لتشويه صورته هي جزء من العملية الانتقامية اللاشعورية المستمرة.

** لمن حرمته طفولته القاسية من معرفة عم دهب، إليكم صورته:

هناك 4 تعليقات:

غير معرف يقول...

رائعة.
جماهيرك تطالب بمزيد من الكتابة.
عجبتني "قاصية و قاسية" :)
احمد منصور

ساري يقول...

شكراً يا أحمد باشا :)

أنا كتبت كل المقالة لكن استعملت وصف "أقصى" فقط ثم أشار علي هاشم بإضافة "أفسى".

أكثر ما أعجبك كان إضافة من هاشم :)

و أنا مع الجماهير في مطالبة نفسي بكتابة المزيد.

غير معرف يقول...

beautiful sary....you are the son of your father and the grandson of your grandfather.
Dad

ساري يقول...

شكراً يا أبي العزيز. انا سعيد جداً أنها أعجبتك و سعيد جداً بتعليقك و تشجيعك.