StatCounter

الجمعة، 28 ديسمبر، 2012

حلم ليلة في منتصف شتاء

(التدوينة رقم 28 في مشروع ال 31 تدوينة)


حلم ليلة في منتصف شتاء*

بيني و بين الكتاب علاقة غريبة. فأنا أحب أن أمسكه و أقلب صفحاته و أطالع كلماته ولفظاته و أتشرب بمعانيه و عبراته، و هو بالمقابل يبث من صفحاته سحراً غريباً يتسلل عبر أصابعي في كل أنحاء جسدي حتى يصل ذاك السحر المتسلل إلى عينيّ، فيغلقهما رويداً رويداً، ثم يبدأ رأسي بالتدلي إلى أسفل ببطء متثائب حتى أستسلم بكلي للنوم اللذيذ. و ما هي إلا لحظات قليلة حتى يبدأ أحد أحلامي الغريبة بالظهور، فأرى ما لا يمكن أن أراه في يقظتي. سأفترض أنني أقرأ كتاباً الآن و أضرب لكم مثلاً على ما قد يحدث معي في عالم الأحلام الغريب. 

أنا منهمك في قراءة كتاب ما، و في أوج انشغالي بدأ التثاؤب يتسلل إلى فمي و عيني رغم أنه لم يصل إلى قلبي السعيد بما يقرؤه. استسلمت للذة النوم و رأيت في المنام أموراً غريبة. وجدت نفسي في أرض معركة في أحد القرون السابقة. أبصرتُ من حسبته قائد الجيش يقترب مني متوجساً على ما يبدو من غرابة ملبسي. عاجلني بسؤال: "من أنت أيها الفتى؟" أجبته بجمل قصيرة متقطعة فيها من الكذب ما فيها، لأنني عرفت أنه لن يصدق حقيقة أنني قاريء كتاب مسافر بأحلامه في الزمان و المكان. أبدى القائد دون اكتراث تصديقه لما سقته من كذبات مغلفة، ثم ألقى إلي بسلاح و أومأ إلي كي أدخل أرض المعركة.

وقفت هنيهة، تارة أنظر إلى السلاح، و أخرى إلى وجه القائد الصارم. حينها تذكرت أنّ أم المعارك التي خضتها في حياتي هي مع فأر وجدته في الحمام، فانقلب استغرابي رعباً، و تحولت جملي الكاذبة إلى تلعثمات غير مفهومة. لكن القائد ما زال ينظر إلي نظرة واحدة و هي أنني جندي جديد في جيشه، فدفعني إلى أرض المعركة و هممت أن أرفع سلاحي لأعاجل به رأس أي جندي معادٍ، ففوجئتُ بسيف يهوي من أعلى متجهاً بما لا يثير أي شك صوب رأسي. أغمضت عينيّ منتظراً لحظة الوفاة، ثم فتحتهما لأجد نفسي في مقعدي الوثير مع كتابي المسلي. تنفست الصعداء و ابتسمت، ثم نظرتُ إلى الكتاب فرأيت اسمه "زاد الباحث في التاريخ" و قرأت في الصفحة المفتوحة فرأيت وصفاً لمعركة تاريخية قديمة، فضحكتُ و استبشرت أنه كان مجرد حلم.

قمتُ من مقعدي لأغسل وجهي بعد هذا الحلم، و ما أن اقتربت من باب الغرفة حتى قفز من وراء الستارة ذات القائد بذات الوجه الصارم حاملاً ذات السيف فوقعت من خوفي أرضاً. اقترب مني القائد بغضب واضعاً سيفه على رقبتي و قال: "لماذا هربتَ من أرض المعركة أيها الجندي؟ أتترك جيشك يواجه العدو وحده؟" تلعثمتُ و لم أدرِ ما أقول، و أردت أن أستمر بالكذب على هذا القائد لكنني أدركتُ أنني في مقام الضعيف الموشك على الهلاك، و رأيت أن طلب العفو هو الحل الأمثل، فاعتذرتُ و أبديتُ ندمي على سوء تصرفي و هروبي، و ألحقتُ اعتذاري تأكيداً على عدم نيتي العودة إلى ذاك الفعل، ثم ألحقتُ تأكيدي أيماناً مغلظة أنني سأقاتل ببسالة في المعارك القادمة مع ذاك الجيش الذي لا أدري عن أي بلد يدافع و عن أي أرض يذود.

بدا القائد غير مقتنع بما أقوله، و أيقنت أنه قاتلي لا محالة. قال لي: "لا طعم لاعتذاراتك بعد جرمك الكبير. سأسمح لك أن تذهب لتودع والديك و إخوتك ثم عد إلي لأفصل هذه عن تلك." و أشار بسيفه إلى رأسي ثم إلى عنقي. أخبرتُه أنني وحيد لا إخوة لي، و أن أهلي يعيشون في بلد آخر** و بدا أنّ آخر فرصة لتأجيل موتي قد تبخرت.

اقترب مني ببطء، ضاقت عيناه و برقتا فأيقنت أن لحظة المنية قد حانت، فأغمضت عيني و انكببت أدعو الله أن يغفر لي ذنوبي و أن يجعل موتي سريعاً لا ألم فيه.

فجأة سمعتُ صوت السيف يسقط على الأرض و صوت القائد يقول بصوت عالٍ: "لا إخوة لديك؟ أنت إذن معفيّ من التجنيد، و لدينا اليوم عرض خاص لأمثالك، طقم معالق و صحون للمطبخ بسعر خاص." فتحت عينيّ فإذا السيف قد انقلب حقيبة جلدية و لباس الحرب قد انقلب ملابس عصرية و القائد قد انقلب بائعاً سمجاً يحمل أطقماً من الصحون و المعالق الملونة و النظرة الصارمة المخيفة قد انقلبت ابتسامة بلهاء سخيفة.

"ما رأيك؟ صحون حمراء مزركشة مع معالق بيضاء مقلمة؟"

استيقظتُ فجأة و أدركت أنني كنت في حلم داخل حلم. نظرتُ إلى الكتاب الذي بين يدي فوجدته كتاباً للنكات اسمه "الخفيف في طرائف التاريخ".

أردت أن أقوم من مكاني لأغسل وجهي لكنني عدلت عن هذا، و بقيت في مقعدي واضعاً رأسي بين يديّ، ناظراً إلى الكتاب، متيقناً إما أنني بدأت أفقد عقلي، أو أنني فقدته منذ زمن و بدأت أدرك هذا الأمر الآن.

النهاية
(إفراج عن القاريء)

هوامش
* كل الاعتذار من الزميل القدير، ابن الوطن البار، الباحث عن لقمة عيشه، المطالب بمحاربة الفساد، وليم شكسبير، مؤلف مسرحية "حلم ليلة في منتصف صيف" و صاحب الدكانة في آخر الحارة.
** الواقع أن أهلي يعيشون في نفس بلدي، الأردن، و أنّ لديّ ثلاثة إخوة بطابيط.

ليست هناك تعليقات: